الإطار التنظيمي للمصارف الرقمية في سلطنة عُمان

April 29, 2026 (Edited) Original Copy

في إطار جهود تحديث القطاع المصرفي في سلطنة عُمان التي انطلقت مطلع عام 2025، يُرسي الإطار التنظيمي الجديد للمصارف الرقمية مساراً واضحاً ومراعياً لدرجة المخاطر لترخيص المؤسسات المصرفية الرقمية الكاملة وتشغيلها والرقابة عليها، بهدف تحقيق التوازن بين الابتكار والاستقرار المالي وحماية العملاء. ويُدخل هذا الإطار فئات مختلفة للمصارف الرقمية، وقيوداً مُعايَرة على الأنشطة، واشتراطات صارمة للتقنية والحوكمة، وجدولاً زمنياً محدداً للتقدم بالطلبات، فضلاً عن متطلبات إعداد خطط الخروج تحسباً لمخاطر التعثر.

محتوى الإطار: الأهداف والأحكام الأساسية

يهدف الإطار إلى إرساء نماذج مصرفية قائمة على التقنية تُوسّع نطاق الوصول وترفع الكفاءة وتُحفّز الابتكار، مع صون سلامة المنظومة ومصالح المودعين. ويُقرأ بالاقتران مع القانون المصرفي (المرسوم السلطاني رقم 2/2025)، وقانون البنك المركزي العُماني (المرسوم السلطاني رقم 3/2025)، وقانون نظم المدفوعات الوطنية (المرسوم السلطاني رقم 8/2018)، وما صدر بموجبها من لوائح وتعاميم وتعليمات. والمصرف الرقمي – ببساطة – هو مصرف مُرخَّص يعمل عبر القنوات الرقمية مستخدماً التقنيات الحديثة.

تُمنح التراخيص للشركات المساهمة العُمانية (المقفلة والعامة) المُؤسَّسة محلياً، ولفروع المصارف الأجنبية الخاضعة لرقابة فعّالة في بلدانها الأم ولترتيبات إشراف مشترك مع البنك المركزي العُماني. ويتضمن الإطار فئتين من التراخيص: الأولى (ترخيص مصرفي رقمي لمزاولة الأعمال المصرفية دون قيود) بحد أدنى لرأس المال المدفوع قدره ثلاثون مليون ريال عُماني، والثانية (ترخيص مصرفي رقمي لمزاولة الأعمال المصرفية مع قيود محددة) بحد أدنى قدره عشرة ملايين ريال عُماني. ويُحدد المحافظ متطلبات رأس المال لفروع المصارف الأجنبية وفق تقديره. وتشمل قيود الفئة الثانية سقوفاً لتركز ودائع العميل الواحد والودائع الحكومية، وحداً أقصى لإقراض الشركات الكبرى بنسبة 40% من المحفظة، وحظراً على المتاجرة لحساب المصرف ذاته، مع إعفاء من بعض هذه القيود خلال أول سنتين لدعم مرحلة الانطلاق. كما يلتزم المصرف الرقمي بمتطلبات رأس المال والسيولة السارية على المصارف المُرخَّصة، وبنسب تعمين تصاعدية تبلغ 90% بحلول السنة الخامسة.

وتخضع نسب الملكية للضوابط المصرفية السارية، ومنها سقف 15% للأفراد والأطراف ذات الصلة، و25% للمؤسسات، و35% للشركات المساهمة أو القابضة، إضافة إلى قيود على الملكية المتبادلة بين المصارف. وتُطبَّق معايير اللياقة والجدارة على المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا، مع اشتراط إثبات الخبرة في المجالين المالي والتقني. ويتعين على طالب الترخيص الاحتفاظ بمقر رئيسي أو مكتب مُسجَّل في السلطنة، ويجوز له تشغيل مكاتب للشؤون الإدارية والتواصل مع العملاء دون فروع للمعاملات، فيما تستلزم خدمات الوكالة المصرفية الحصول على موافقة مسبقة.

يُشترط تقديم خطة عمل شاملة تتناول الشمول المالي، والبنية التقنية، وقابلية التوسع، وحماية البيانات، وحوكمة الحوسبة السحابية والتعهيد، والصمود السيبراني، وإدارة المخاطر، والتقييم الداخلي لكفاية رأس المال، وتخطيط الكفاءات، ومعالجة شكاوى المستهلكين، إلى جانب مسار واضح نحو الربحية. كما يتعين على طالب الترخيص تقديم وثائق الشفافية في الملكية، ونتائج فحص العقوبات، والقوائم المالية المُدقَّقة للمساهمين الرئيسيين أو المجموعات الأم. ويُقيّم البنك المركزي العُماني متانة رأس المال، ومستوى الابتكار، وقدرات إدارة المخاطر والامتثال، والتقنيات التحويلية، والتحليلات، والدعم المالي، والخبرة الشرعية للنماذج المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

آلية العمل والإنفاذ

يبت البنك المركزي العُماني في الطلب المكتمل خلال تسعين يوماً، ويُعدّ الطلب مقبولاً حكماً في حال عدم صدور قرار خلال هذه المدة، مع احتفاظ البنك المركزي بصلاحية طلب معلومات إضافية أو رفض الطلبات الناقصة أو غير الملائمة. وعقب الحصول على الموافقة المبدئية، يلتزم مقدم الطلب بإتمام التأسيس خلال سنة واحدة ما لم تُمدَّد المهلة.

وتستند الرقابة والإنفاذ إلى قانون المصارف، وقانون نظم المدفوعات الوطنية، وقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وما يصدر بموجبها من لوائح وتعاميم وتعليمات. وقد تشمل مسائل الإنفاذ حماية المستهلك المالي، والأمن السيبراني، والتسجيل الرقمي والتحقق الإلكتروني من هوية العميل، ومكافحة الاحتيال، وأحكام التعهيد والحوسبة السحابية. وقد يُلزَم مقدمو الطلبات بتعيين مُقيّمين مستقلين لإجراء اختبارات الاختراق ومراجعات الأمن السيبراني ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن السمات المميزة اشتراط خطة خروج إلزامية معتمَدة مسبقاً من مجلس الإدارة، تتضمن محفزات كمية، وتدابير لاستمرارية خدمة العملاء، ومصادر التمويل، وتحديثات دورية، مما يُتيح التصفية المنظمة أو نقل الأعمال دون تدخل من البنك المركزي. وقد يُفضي عدم الامتثال إلى الخروج الإجباري أو إلغاء الترخيص.

الفئات المتأثرة

يؤثر الإطار مباشرةً على رعاة المصارف الرقمية ومساهميها ومجالس إدارتها ومسؤوليها التنفيذيين الملزَمين باستيفاء معايير اللياقة والجدارة ورأس المال والحوكمة. كما يؤثر على المصارف القائمة والمجموعات المصرفية الأجنبية الساعية إلى إنشاء شركات تابعة أو فروع رقمية، نظراً لمعايرة رأس المال وقيود الملكية المتبادلة ومتطلبات الإشراف المشترك. ويتأثر كذلك المورّدون وشركاء التقنية المالية بالاشتراطات الصارمة للبنية التقنية والحوسبة السحابية والتعهيد والجاهزية السيبرانية والتقييمات المستقلة. أما العملاء والسوق الأوسع فيُعدّون أطرافاً معنية من خلال أهداف الشمول المالي وضمانات حماية المستهلك.

ما يعنيه ذلك عملياً – ومواطن النزاع المحتملة

يُتيح نموذج الفئتين للشركات خيارين: إما الدخول الأسرع إلى السوق عبر الفئة الثانية مع قيود على المحفظة، وإما الفئة الأولى التي تستلزم رأس مال أعلى لكنها تمنح نطاقاً أوسع. ويمكن للإعفاء من بعض قيود الفئة الثانية خلال أول سنتين أن يدعم خطط النمو التدريجي. ونظراً لسقوف الملكية وقيود التملك المتبادل بين المصارف، يتعين ترتيب الهيكل المؤسسي بعناية وضمان توافق المستثمرين. كما ينبغي أن تتضمن نماذج التشغيل ضوابط الحوسبة السحابية والأمن السيبراني، ومبادئ انعدام الثقة، واختبارات الاختراق، وآليات متينة لمكافحة الاحتيال، إلى جانب التسجيل الرقمي الشامل للعملاء المتوافق مع متطلبات التحقق الإلكتروني من الهوية. ويستلزم نموذج التواجد المادي دون فروع للمعاملات توفير خدمات رقمية متكاملة والقدرة على إنشاء مركز لدعم العملاء.

ينبغي للمستثمرين توقّع فحص دقيق من البنك المركزي العُماني يشمل كفاية رأس المال، والجاهزية التقنية، ومنظومة الرقابة الداخلية والتقييم الداخلي لكفاية رأس المال، ومسار تحقيق الربحية. وقد يؤدي عدم بلوغ عتبات الاستدامة إلى تفعيل خطط الخروج، مع ما قد يترتب على ذلك من تآكل في القيمة أو نقل قسري للأعمال. وقد تنشأ مخاطر نزاعات بشأن رفض الترخيص أو سحبه، أو نتائج الفحص الرقابي، أو إجراءات الإنفاذ، أو الالتزام بتنفيذ خطط الخروج، لا سيما عند الطعن في دقة المعلومات أو نتائج فحص العقوبات أو ملاءمة أصحاب المصلحة. كما قد تتصاعد النزاعات التعاقدية مع المورّدين في ظل الاشتراطات الصارمة للتعهيد والامتثال للحوسبة السحابية ومتطلبات الاختبار من جهات خارجية.

ما الخطوات المطلوبة من الشركات الآن؟

يتعين على الراغبين في دخول السوق العُمانية مواءمة استراتيجية رأس المال مع فئة الترخيص المستهدفة، وإثبات رأس المال المدفوع والقدرة المستمرة على توفير الأموال الذاتية وفق النسب الاحترازية وخطط النمو. كما يجب إعداد خطة أعمال متينة تُعزز الشمول المالي بشكل واضح، وتُحدد الشرائح المستهدفة ومجموعة المنتجات ومساراً موثوقاً لتحقيق الربحية خلال خمس سنوات، مدعومةً بالتقييم الداخلي لكفاية رأس المال وإطار الرغبة في المخاطرة ورؤى العملاء القائمة على التحليلات. وينبغي تدقيق البنية التقنية للتحقق من توافقها مع متطلبات الإطار من حيث قابلية التوسع، وحماية البيانات، وضوابط انعدام الثقة، وشهادة معيار أمان بيانات صناعة بطاقات الدفع (PCI-DSS) أو ما يعادلها، ورصد التهديدات السيبرانية والاستجابة لها، واستمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث. كذلك يجب توثيق الامتثال لمعايير اللياقة والجدارة ضمن تخطيط الحوكمة والموارد البشرية، بما يشمل الإلمام التقني لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، وخطط توطين القوى العاملة.

ويتعين على مقدمي الطلبات مواءمة هياكل الملكية مع السقوف التنظيمية، والتحقق من المستفيدين الحقيقيين النهائيين، واستيفاء العناية الواجبة المتعلقة بالعقوبات، وتوفير القوائم المالية المدققة لخمس سنوات للمساهمين الرئيسيين أو المجموعات الأم. كما يتعين تصميم نموذج لدعم العملاء يرتكز على المقر الرئيسي أو المكتب المسجَّل وأي مكاتب فعلية مُصرَّح بها للاستفسارات والشكاوى، مع تجنب فروع المعاملات والحصول على موافقة مسبقة لترتيبات الوكالة عند الحاجة. وأخيراً، يتعين إعداد خطة خروج معتمدة من مجلس الإدارة تتضمن محفزات كمية، وتدابير لاستمرارية خدمة العملاء، ومصادر التمويل، وإجراءات المراجعة السنوية، لضمان التصفية المنظمة حال تراجع جدوى الأعمال دون الحدود المقررة.

Next Article