إطار مكافحة غسل الأموال في دولة الإمارات: مرحلة جديدة من الامتثال لمكافحة الجرائم المالية في 2026

April 29, 2026 (Edited) Original Copy
الكتّاب
Ibtissem Lassoued

Partner, Head of White-Collar Crime Advisory, Compliance, Investigations & International Cooperation

i.lassoued@tamimi.com View LinkedIn Profile

في سياق جهودها المتواصلة لتشديد الرقابة على الجرائم المالية، أقرّت دولة الإمارات العربية المتحدة تشريعاً جديداً شاملاً يُعيد تشكيل إطارها القانوني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل. ويتمثّل هذا التشريع في المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025 في شأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، الذي صدر في أكتوبر 2025 ودخل حيز النفاذ بتاريخ 14 أكتوبر 2025، مُلغياً القانون الاتحادي رقم (20) لسنة 2018  في شـأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة، ومُستبدلاً به إطاراً أشد صرامةً وأوسع نطاقاً. وقد صدر في أعقابه قرار مجلس الوزراء رقم (134) لسنة 2025، النافذ منذ 14 ديسمبر 2025 حالّاً محل القرار رقم (10) لسنة 2019، مُتضمناً اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون المذكور في 71 مادة تشمل نحو 300 متطلب مُلزم. وبذلك يُحوّل القرار التوجهات السياسية العامة إلى معايير تشغيلية دقيقة وقابلة للتنفيذ، مُرسياً أشمل إطار تنظيمي وتشغيلي عرفته الدولة في هذا المجال، ومُحدداً توقعات واضحة وقابلة للقياس لجميع الجهات الخاضعة للرقابة – من مؤسسات مالية وأعمال ومهن غير مالية محددة ومقدمي خدمات أصول افتراضية.

تمويل الانتشار بوصفه الركيزة الثالثة

للمرة الأولى، يُدرج عنوان التشريع مكافحة تمويل انتشار التسلح صراحةً بدلاً من الإشارة إلى التنظيمات غير المشروعة – وهو تحول مقصود في التوجه التشريعي يرتقي بتمويل الانتشار، الذي ظل طويلاً على هامش الاهتمام، إلى مرتبة مساوية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب ضمن الإطار المُحدَّث لمكافحة الجرائم المالية في الدولة. ويُعزز القانون هذا التوجه باستحداث جرائم مستقلة لتمويل انتشار التسلح وأسلحة الدمار الشامل، مدعومة بتعريفات قانونية جديدة. وعلى الصعيد التشغيلي، يُلزم القرار البنوك والمؤسسات المالية ومقدمي خدمات الأصول الافتراضية وسائر الجهات الخاضعة للرقابة بتحديد مخاطر تمويل الانتشار وتقييمها والحد منها عبر عملياتها كافة – بعد أن كانت هذه المخاطر تُطوى في الغالب ضمن برامج مكافحة غسل الأموال الأوسع نطاقاً. وتحديداً، يتعين على هذه الجهات دمج الرقابة على تمويل الانتشار ضمن تقييمات المخاطر على مستوى المؤسسة والعناية الواجبة تجاه العملاء ومراقبة المعاملات.

 

توسيع النطاق القانوني والتعريفات

يُوسّع القانون الجديد نطاق الأنشطة الخاضعة للرقابة توسيعاً ملحوظاً، ويُدخل تعديلات جوهرية على التعريفات تطال الالتزامات الجزائية والتنظيمية معاً، أبرزها:

  • تم توضيح مفهوم الجريمة الأصلية ليشمل صراحةً التهرب الضريبي بشقيه المباشر وغير المباشر، مما يُوسّع نطاق الجرائم التي قد تتأتى منها العائدات غير المشروعة.
  • ومواكبةً للنمو المتسارع في التمويل الرقمي، يُقر القانون بأن جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد تُرتكب عبر الأنظمة الرقمية أو الأصول الافتراضية أو تقنيات التشفير – وهو نص لم يكن وارداً في قانون 2018.
  • كذلك جرى توسيع تعريف المتحصلات ليتجاوز الأرباح ويشمل أي منفعة متكررة أو مشتقة من ممتلكات إجرامية، سدّاً للثغرات المتعلقة بالمكاسب غير المباشرة
  • ويجوز الآن مساءلة الشخص ليس فقط إذا كان يعلم أن الأموال متحصلة من نشاط إجرامي، بل أيضاً إذا كان ينبغي له أن يعلم بذلك وفق معيار موضوعي معقول – وهو حد أدنى من المسؤولية يُقارب معايير الإهمال المعتمدة في ولايات قضائية أخرى. ويُشكّل هذا تحولاً جوهرياً عن النظام السابق، ويُؤكد عزم الدولة على ضمان المساءلة حتى حين يتعذر إثبات القصد الجنائي.

مشغلو الألعاب التجارية تحت الرقابة

أُدرج مشغلو الألعاب التجارية رسمياً – بما فيهم الكازينوهات ومنصات الألعاب عبر الإنترنت ومشغلو الرياضات الإلكترونية – ضمن الأعمال والمهن غير المالية المحددة الخاضعة لأحكام مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح. وحُدد حد الإبلاغ للمعاملات الإلكترونية بمبلغ 11,000 درهم، سواء في معاملة واحدة أو بشكل تراكمي عبر معاملات مترابطة. ويُتوقع من الإدارة العليا اعتماد السياسات الداخلية والإشراف على العلاقات عالية المخاطر، لا سيما تلك المنطوية على مخاطر تمويل انتشار التسلح.

وتكتسب متطلبات الإبلاغ والرقابة الجديدة أهمية خاصة في قطاعي الكازينوهات والألعاب، حيث يمكن للمعاملات ذات القيمة العالية والأنشطة المعقدة أن تُخفي تدفقات مالية غير مشروعة. ويتعاظم هذا الأمر في ضوء توسع الدولة في تنظيم أنشطة الكازينوهات واليانصيب والألعاب التجارية، إذ تتولى الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية الاتحادية الإشراف على ترخيصها وتنظيمها على المستوى الاتحادي. وبالتوازي، تعمل مشاريع كبرى كمنتجع وين جزيرة المرجان في رأس الخيمة، المزمع افتتاحه في 2027، على تهيئة الدولة لاستضافة أول كازينو قانوني ووجهة ترفيهية متكاملة.

مقدمو خدمات الأصول الافتراضية

أصبح مقدمو خدمات الأصول الافتراضية متوائمين بالكامل مع المؤسسات المالية في التزاماتهم المتعلقة بمواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح. ويتعين عليهم الالتزام بقاعدة النقل (Travel Rule)، لضمان أن تحمل تحويلات الأصول الافتراضية المعلومات الكاملة عن المُحوِّل والمستفيد على حد سواء. كما يجب أن تكون عمليات الفحص المتعلقة بالعقوبات ومخاطر تمويل انتشار التسلح مستمرة، وتمتد التزامات الاحتفاظ بالسجلات والمستندات لمدة لا تقل عن خمس سنوات. ويُحظر على مقدمي خدمات الأصول الافتراضية تسهيل المعاملات التي تُخفي مصدر الأموال أو هوية المستفيدين الحقيقيين. وبالنسبة للمسؤولين التنفيذيين وفرق الامتثال، فإن المتطلبات التشغيلية جوهرية: إذ أصبحت المراقبة الآنية والرقابة على الحوكمة وآليات الإبلاغ المنظمة إلزامية.

تعزيز صلاحيات الإنفاذ

تُخوّل المادة (5) رئيس وحدة المعلومات المالية صلاحية إيقاف أو تعليق العمليات لمدة لا تجاوز عشرة أيام عمل، وتجميد الأموال لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد من قبل النائب العام. وبموجب قانون عام 2018، كانت هذه الصلاحيات مقتصرة على سبعة أيام ومنوطة بمحافظ المصرف المركزي.

ويُميّز القانون الجديد صراحةً بين التجميد والحجز. فالتجميد حظر على تحويل الأموال أو التصرف فيها مع بقائها في يد حائزها، وقد يستمر ثلاثين يوماً قابلة للتمديد. أما الحجز فتتولى السلطة المختصة السيطرة فعلياً على الأموال وإدارتها، وقد يمتد لعشرة أيام قابلة للتمديد.

وتستحدث المادة (22) آلية شاملة لاسترداد الأصول تشمل مصادرة الممتلكات الإجرامية وإدارتها، على أن يصدر مجلس الوزراء قراراً يُنظم إجراءاتها التفصيلية. وتُصان في جميع الأحوال حقوق الغير حسن النية.

وأصبحت المحاكم في الدولة مُخوّلة بتنفيذ الأحكام والأوامر القضائية الأجنبية، بما في ذلك التدابير المؤقتة ومصادرة الممتلكات الإجرامية، دون إجراء تحقيقات وطنية منفصلة. ومن المتوقع أن يُسهم هذا الإصلاح في تبسيط جهود السلطات الأجنبية لاسترداد الأصول المرتبطة بالجرائم المالية أو الفساد أو غيرها من الأنشطة الإجرامية داخل الإمارات.

خفض حد المسؤولية القانونية

من أبرز سمات القرار خفض عتبة إثبات المسؤولية عن الجرائم الأصلية. فقد كانت المسؤولية سابقاً تعتمد على العلم الفعلي بالأموال غير المشروعة، وهو معيار شخصي كثيراً ما حدّ من فعالية الإنفاذ. ويسمح الإطار المُعدَّل باستخلاص العلم من الظروف الواقعية والموضوعية – إذ يجوز الآن مساءلة الشخص إذا كان يعلم أو كان ينبغي له أن يعلم بشكل معقول أن الأموال غير مشروعة.

كما يُقر القرار جريمة جديدة تستهدف إساءة استخدام الحسابات لدى المؤسسات المالية أو مقدمي خدمات الأصول الافتراضية. ويتحمل المسؤولية الجزائية كل من يُمكّن الغير من الانتفاع من حسابه سواء عن علم أو حيث كانت هناك دلائل أو قرائن كافية على علمه بأن الغرض من ذلك إساءة استغلال الحساب.

المساءلة الشخصية والمراقبة المستمرة

تتحمل الإدارة العليا الآن مسؤولية شخصية صريحة عن الامتثال عبر جميع ركائز مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح. ويتعين على المسؤولين التنفيذيين اعتماد السياسات الداخلية ومراقبة العملاء ذوي المخاطر العالية ومتابعة تنفيذ البرامج. كما يُزيل التعرف المعزز على المستفيد الحقيقي – بما في ذلك حدود الملكية بنسبة 25% واللجوء البديل إلى كبار المسؤولين – أي غموض ويُعزز الشفافية.

وأصبحت المراقبة المستمرة للمعاملات شاملة وقابلة للإنفاذ. وتستلزم الحوالات البرقية ومعاملات الأصول الافتراضية التي تتجاوز 3,500 درهم تقديم البيانات الكاملة للمُحوِّل والمستفيد. ويجب تقديم تقارير المعاملات المشبوهة فوراً، ويظل الإفشاء (الإخطار التحذيري) مُجرَّماً.

الآثار العملية

بالنسبة للشركات والأعمال والمهن غير المالية المحددة ومقدمي خدمات الأصول الافتراضية والمؤسسات المالية ومشغلي الألعاب التجارية، يستلزم الامتثال الآن اتخاذ إجراءات ملموسة تشمل: تحديث تقييمات المخاطر على مستوى المؤسسة لتشمل الرقابة على تمويل انتشار التسلح؛ ومراجعة سياسات وضوابط وإجراءات مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح لتعكس الالتزامات الجديدة؛ وتوسيع تدابير العناية الواجبة تجاه العملاء لتشمل مراقبة مخاطر تمويل انتشار التسلح؛ وتحديث منهجيات تقييم مخاطر العملاء؛ وتوسيع مسؤوليات مسؤول الامتثال لتغطي الرقابة على تمويل الانتشار ومقدمي خدمات الأصول الافتراضية؛ وتحديد المديرين والمساهمين الاسميين لأغراض تحديد المستفيد الحقيقي؛ وتنفيذ برامج تدريبية على السياسات والإجراءات المُحدَّثة.

وبالنسبة للشركات والجهات الخاضعة للرقابة العاملة في الدولة، يعني ذلك إعادة النظر في الضوابط الداخلية وتدابير العناية الواجبة تجاه العملاء وأُطر المراقبة المستمرة لضمان التوافق مع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال. وينبغي للشركات أيضاً أن تتوقع تصاعداً في النشاط الرقابي وأن تكون مستعدة للاستجابة السريعة لأي توجيهات صادرة عن الوحدة أو طلبات المعلومات أو أوامر تجميد الأموال.

وبالنسبة للشركات العاملة في القطاعات ذات القيمة العالية، بما في ذلك الخدمات المالية والألعاب التجارية والأصول الافتراضية، فإن الالتزام بهذه المعايير المُعززة أمر حتمي. وبذلك، تُرسّخ الدولة مكانتها بوصفها رائدة عالمياً في أُطر مكافحة غسل الأموال ومواجهة التمويل غير المشروع، واضعةً معياراً مرجعياً للابتكار والمساءلة وأفضل الممارسات الدولية. وتُعزز هذه الإصلاحات في نهاية المطاف طموح الدولة في أن تظل مركزاً موثوقاً ومرناً للتجارة والتمويل والاستثمار على المستوى العالمي.

الكتّاب
Ibtissem Lassoued

Partner, Head of White-Collar Crime Advisory, Compliance, Investigations & International Cooperation

i.lassoued@tamimi.com View LinkedIn Profile

Next Article