قانون حق الوصول إلى المعلومات في العراق: آفاق عام 2026

April 29, 2026 (Edited) Original Copy

يمثل مشروع قانون حق الوصول إلى المعلومات في العراق إصلاحاً جوهرياً في مجال الحوكمة. وقد تحقق زخم تشريعي ملموس خلال عامي 2024 و2025 من خلال القراءات البرلمانية وتصاعد المناصرة، إلا أن القانون لم يدخل حيز النفاذ بعد. ويهدف القانون إلى ضمان حق الجمهور في الحصول على المعلومات لدى الهيئات العامة وإنشاء آليات مؤسسية لمعالجة الطلبات والموازنة بين الإفصاح والاستثناءات المحدّدة على سبيل الحصر. وفي ظل تحولات قانونية وسياسية أوسع – منها تشديد تنظيم المحتوى الإلكتروني وإصلاحات قانون الأحوال الشخصية – يغدو تقنين هذا الحق خلال 2026 أكثر إلحاحاً وأشد تعقيداً.

الوضع الراهن والمسار التشريعي

دفع البرلمان بمشروع القانون عبر اللجان والقراءات خلال 2024، وسط مطالبات إعلامية ومدنية بإطار موثوق للوصول إلى المعلومات. وضُيّقت بعض الأحكام الجوهرية أثناء المداولات. ومن المتوقع أن يتوافق المشروع في صيغته الأخيرة مع الضمانات الدستورية والمعايير الدولية لحرية المعلومات والإجراءات الواجبة ومكافحة الفساد. وحتى مطلع 2026، لم يُنشر القانون ولا يزال يكتسي أهمية سياسية بالغة.

البنية الأساسية لمشروع القانون

يعكس هيكل المشروع أفضل الممارسات الدولية في عدة جوانب، وسيشكّل نقلة نوعية في حال إقراره وتطبيقه بأمانة:

  • النطاق والصفة: يكفل المشروع للمواطنين العراقيين حقاً عاماً في طلب المعلومات من الجهات العامة. ويجوز للمقيمين الأجانب ذوي المصلحة المشروعة تقديم طلبات شريطة المعاملة بالمثل. وهذه الصفة الواسعة ضرورية لخدمة المصلحة العامة لا فئة المراسلين المعتمدين أو المنظمات غير الحكومية فحسب.
  • الجهة المؤسسية المرجعية: يُنشئ المشروع دائرة المعلومات ضمن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق للإشراف على النظام. وتتولى وضع المعايير وتدريب الموظفين الحكوميين والتنسيق بين الوزارات وإدارة السجلات وإصدار تقارير سنوية وضمان جودة معالجة الطلبات وحسن توقيتها.
  • الإجراءات والمواعيد: تُقدَّم الطلبات على نموذج موحّد وتُقيَّد في سجل مخصص. ويصدر القرار خلال خمسة أيام عمل. وتُوفَّر المعلومات خلال 15 يوماً مع إمكانية تمديد محدود ومسبّب. وتُعطى الأولوية للمسائل العاجلة – كالمخاطر المتعلقة بالحياة أو الحرية – للإفصاح المعجّل خلال ثلاثة أيام.
  • المراجعة والتظلّم: تفصل لجنة متخصصة في كل وزارة في الاعتراضات على الرفض أو الإفصاح الجزئي بشكل موثّق وضمن مدة محددة. ويظل الطعن القضائي متاحاً لضمان الامتثال وإرساء المبادئ.
  • الاستثناءات: تشمل الأمن الوطني والدفاع، والمراسلات الدولية، والعمليات التداولية الحكومية، والمواد السرية والمصنّفة، والخصوصية الشخصية، والأسرار التجارية، وغيرها من المعلومات التجارية المحمية، والمواد المتصلة بتحقيقات جنائية أو إدارية جارية. ويجب تأويلها تأويلاً ضيقاً مع مراعاة مبدأ فصل الأجزاء القابلة للإفصاح وإعمال أولوية المصلحة العامة واختبارات الضرر الإلزامية.

آلية تطبيق المشروع عملياً

في حال إقراره بصيغته الحالية، يتمكن مقدّم الطلب – صحفياً كان أو باحثاً أو مواطناً – من تقديم نموذج بسيط إلى أي وزارة أو جهة حكومية. وتلتزم الجهة بقيد الطلب وإصدار قرار فوري. في حال الموافقة، تُوفَّر المعلومات ضمن الموعد القانوني مع قصر التمديد على حالات ضيقة ومبررة. ويستوجب الرفض تسبيباً مكتوباً يستند إلى استثناءات محددة، مع الإفصاح الجزئي عن المواد القابلة للفصل وإخطار مقدّم الطلب بحقوق المراجعة. وتعمل اللجنة الوزارية بشكل موثّق وضمن آجال تحول دون الرفض الحكمي للطلبات. وتراقب دائرة المعلومات الامتثال وتنشر إحصاءات سنوية حول الطلبات وحالات الرفض والمواعيد وتقدّم توصيات بتحسينات على مستوى المنظومة.

آفاق عام 2026

يُتوقع أن تتجلى الآثار العملية للقانون في 2026 مع الانتقال من الإقرار الرسمي إلى التطبيق الفعلي. وفيما يلي أبرز التطورات المرتقبة:

الإعداد المؤسسي وبناء القدرات

يُنتظر أن تصبح دائرة المعلومات ضمن المفوضية العليا لحقوق الإنسان جاهزة للعمل بشكل كامل. وسيكون دورها في تدريب الموظفين الحكوميين والمجتمع المدني محورياً لضمان الاتساق في التعامل مع الطلبات. ومن المرجح صقل إجراءات التشغيل الموحدة والنماذج والتوجيهات الداخلية للوفاء بمهلة القرار (خمسة أيام) ومهلة التوفير (15 يوماً مع تمديد محدود)، بما في ذلك بروتوكولات الإفصاح العاجل خلال ثلاثة أيام.

توحيد الإجراءات عبر الوزارات

يُتوقع أن توائم الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة إجراءاتها مع المواعيد والتزامات حفظ السجلات المنصوص عليها في القانون. ويشمل ذلك السجلات الخاصة بالطلبات والإيصالات الموحدة. ومن المرجح تعيين منسقين مدرّبين في كل جهة للحد من الرفض بالصمت ومنع التفسيرات المتباينة للاستثناءات.

لجان الاعتراضات المتخصصة

يُنتظر أن تبدأ اللجان المتخصصة في تكوين رصيد من الممارسات الإدارية بشأن الاعتراضات على قرارات الرفض. ورغم أن تقييمات هذه اللجان لا تمثل سوابق قضائية، إلا أنها قادرة على إرساء معايير عملية لتطبيق الاستثناءات والإفصاح الجزئي واستخدام التنقيح للموازنة بين حق المعرفة ومتطلبات السرية والأمن الوطني.

ممارسات الإفصاح والنشر

رغم تركيز القانون على الوصول القائم على الطلب، يُتوقع تحسين النشر الاستباقي للمعلومات غير الحساسة كالهياكل التنظيمية والميزانيات والسياسات. وستضع التقارير السنوية لدائرة المعلومات المرفوعة إلى مجلس الوزراء ونشرها إعلامياً توقعات لحد أدنى من ممارسات الإفصاح ومؤشرات امتثال قابلة للقياس.

ترشيد استخدام الاستثناءات

من المرجح أن تُختبر عملياً استثناءات الأمن الوطني والدفاع والمراسلات الدولية والوثائق السرية والمداولات الحكومية والبيانات الشخصية والأسرار التجارية. ويُتوقع التوجه نحو تطبيق أضيق قائم على الأدلة مع الإكثار من الإفصاح الجزئي والتنقيح بدلاً من الرفض الشامل.

التقاطع مع الخصوصية والسرية

تستلزم حماية المعلومات الشخصية والمواد ذات الحساسية التجارية توجيهات داخلية أوضح بشأن التنقيح وآليات الموافقة والتعامل مع الملفات المختلطة التي تتضمن مواد قابلة للإفصاح وأخرى مستثناة. ومن المرجح تطوير نماذج وقوائم مرجعية لضمان الإفصاح المشروع دون المساس بالخصوصية أو حقوق الملكية الفكرية.

أثر القانون على المجتمع المدني والإعلام والسوق

يُتوقع أن يوظّف الصحفيون والباحثون والمنظمات غير الحكومية القانون للحصول على بيانات الإنفاق العام والمشتريات وتقديم الخدمات. وسيدعم ذلك نقاشاً عاماً أكثر استنارة ويعزز الرقابة على الهيئات العامة. كما قد تستفيد الشركات من وضوح أكبر في الوصول إلى المعلومات التنظيمية والسوقية غير السرية، مما يدعم التخطيط والامتثال.

خاتمة

من المنتظر أن يكون القانون أداة عملية لتعزيز الشفافية والمساءلة في العراق. ويشترط لذلك تطبيق إجراءاته بشكل متسق وتفسير استثناءاته تفسيراً ضيقاً ومسبّباً. ويضع القانون مواعيد واضحة للطلبات ويُنشئ دائرة معلومات مسؤولة ويُحدث لجاناً متخصصة للبت في الاعتراضات، بما يكفل إدارة منتظمة وواضحة المعالم.

ومن أبرز الآثار المتوقعة للقانون ما يلي:

تعزيز المساءلة الإدارية: فالمواعيد والسجلات والإيصالات تجعل الجهات مسؤولة عن قرارات الإفصاح. وستساعد تقارير دائرة المعلومات الدورية في رصد ثغرات الامتثال وتحديد الممارسات الجيدة. وسيتمكن الباحثون والصحفيون والمجتمع المدني من توظيف المعلومات المُفصح عنها لمراقبة الإنفاق العام وتقييم تقديم الخدمات والمشاركة في النقاش القائم على الأدلة، مع احترام الحدود المشروعة للأمن والخصوصية والسرية التجارية. ومن شأن النشر الاستباقي والتعامل المنتظم مع الطلبات ترسيخ ثقافة الانفتاح وتضييق نطاق السرية التعسفية وتعزيز الثقة بين المواطنين والدولة.

وبإقراره باستثناءات ضرورية وإتاحته للإفصاح الجزئي والتنقيح، يحمي القانون الأمن الوطني والعلاقات الدبلوماسية والبيانات الشخصية والأسرار التجارية دون تقييد مفرط للوصول إلى المعلومات غير الحساسة.

ومع التطبيق، قد تكشف أنماط الاعتراضات والأحكام القضائية عن مواطن الغموض التي تستدعي التوضيح. وقد تعزز تعديلات التوجيهات أو التعديلات التشريعية الموجّهة الاتساق والإنفاذ وسُبل الانتصاف.

وفي حال تطبيقه بفعالية، سيُرسّخ القانون الشفافية في الممارسة الإدارية اليومية ويدعم الرقابة المسؤولة على المؤسسات العامة ويُسهم في حوكمة أكثر فعالية وقانونية واستجابة.

Next Article