مشروع نظام التسويق عبر الهاتف من المصرف المركزي: التداعيات على قطاع التأمين

April 29, 2026 (Edited) Original Copy

عمّم المصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة (“المصرف المركزي“) مشروع نظام للتسويق عبر الهاتف (“مشروع النظام“) يُؤسس إطاراً تنظيمياً مخصصاً ومعايير دنيا للتسويق عبر الهاتف من قِبل المؤسسات المالية المرخصة. ويستند مشروع النظام إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم (6) لسنة 2025 بشأن المصرف المركزي وتنظيم المنشآت والأنشطة الماليَّة وأعمال التأمين (“قانون المصرف المركزي“) وقرار مجلس الوزراء رقم (56) لسنة 2024 بشأن تنظيم التسويق عبر المكالمات الهاتفية (“قرار مجلس الوزراء 56/2024“). وبمجرد اعتماده، يدخل مشروع النظام حيز النفاذ بعد ستين (60) يوماً من نشره في الجريدة الرسمية، على أن تُحقق المؤسسات المرخصة الامتثال التام خلال المدة ذاتها.

نطاق التطبيق: مَن المعنيون؟

يسري مشروع النظام على جميع “المنشآت المالية المرخصة” بحسب تعريفها في قانون المصرف المركزي. ويتميز هذا التعريف بالاتساع الملحوظ، حيث يضم البنوك وشركات التأمين (بما فيها شركات إعادة التأمين وشركات التأمين التكافلي) والمؤسسات المالية الأخرى (بما فيها وسطاء التأمين والوكلاء وسائر المهن المرتبطة بالتأمين) المرخص لها من المصرف المركزي بممارسة الأنشطة المالية المرخصة، وتشمل تلك المُنشأة في الدولة وفروع المؤسسات المالية الأجنبية أو شركاتها التابعة العاملة فيها، باستثناء الكيانات العاملة في المناطق الحرة المالية. والأهم من ذلك أن مشروع النظام يسري على المستويين الفردي والجماعي، مما يعني أن المؤسسات المرخصة التي لها شركات تابعة أو شقيقة أو فروعاً دولية يتعين عليها ضمان الامتثال عبر كامل هيكلها المؤسسي. وتنطبق المتطلبات كذلك عند إسناد وظائف التسويق عبر الهاتف إلى أطراف خارجية.

الأثر على قطاع التأمين

يحمل مشروع النظام تداعيات جوهرية على قطاع التأمين الإماراتي. فشركات التأمين وشركات التأمين التكافلي والوسطاء والوكلاء مشمولون صراحةً بصفتهم منشآت مالية مرخصة. وبما أن التسويق عبر الهاتف يُعد قناة توزيع شائعة لمنتجات التأمين، خاصةً خطوط التأمين الشخصية كتأمين المركبات والتأمين الصحي وتأمين السفر، فسيتعين على الجهات المعنية إجراء مراجعة شاملة لممارساتهم التسويقية. وتشمل الاعتبارات الرئيسية لشركات التأمين: (1) التأكد من إخضاع التسويق عبر الهاتف لمنتجات التأمين لحوكمة وموافقة على مستوى مجلس الإدارة؛ (2) تطبيق آليات موافقة محكمة تُسجّل تفضيلات العملاء من حيث اللغة وقنوات التواصل وأنواع المنتجات؛ (3) تدريب وكلاء مبيعات التأمين وموظفي مراكز الاتصال على المتطلبات الخاصة الواردة في مشروع النظام، بما فيها التزامات السلوك الأخلاقي وحماية البيانات؛ (4) مراجعة الترتيبات القائمة مع وسطاء التأمين ومديري الطرف الثالث الذين يمارسون التسويق عبر الهاتف نيابةً عن شركات التأمين؛ و(5) إنشاء أنظمة حفظ سجلات متوافقة لكافة اتصالات التسويق عبر الهاتف، بما فيها تلك المُنفَّذة عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي أو تقنيات الاتصال الآلي.

السياق القانوني العام

المنطلق هو قرار مجلس الوزراء 56/2024، الذي يُعرّف “المكالمات الهاتفية التسويقية” تعريفاً واسعاً يشمل المكالمات الهاتفية والرسائل النصية التسويقية (بما فيها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي) ويُؤسس سجل عدم الاتصال ((DNCR (“سجل عدم الاتصال“) للحد من الاتصالات التسويقية غير المرغوب فيها، وهو سجل وطني موحد تشرف عليه هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية.

والأهم بالنسبة للخدمات المالية أن قرار مجلس الوزراء 56/2024 يُسند إلى المصرف المركزي مسؤولية التسويق عبر الهاتف لخدمات البنوك والمؤسسات المالية الأخرى وشركات التأمين والمهن ذات الصلة المرخص لها من قِبله. أي أن هذا الأمر بات جزءاً من منظومة الامتثال والإشراف التنظيمي.

أثر مشروع النظام

يُحدد قرار مجلس الوزراء 56/2024 الإطار الأساسي العام، ثم يُحوّله مشروع النظام إلى متطلبات عملية للمؤسسات المرخصة تتناول الحوكمة والضوابط وتدريب الموظفين والرقابة والإنفاذ. وتتضمن المتطلبات الرئيسية بموجب مشروع النظام:

  • الحوكمة والموافقات. يُلزم مشروع النظام المؤسسات بالحصول على موافقة خطية من مجلس الإدارة (أو، بالنسبة لفروع المرخص لهم الأجانب، موافقة من أعلى هيئة لصنع القرار في الدولة) قبل إطلاق حملات التسويق عبر الهاتف، مع احتفاظ المصرف المركزي بالصلاحية التقديرية لاشتراط موافقته المسبقة كذلك. وبذلك ينتقل التسويق عبر الهاتف من ‘نشاط تابع لإدارة التسويق’ إلى نشاط خاضع لرقابة رسمية ضمن إطار الحوكمة والمخاطر والامتثال.
  • التسويق المبني على الموافقة. يُركّز مشروع النظام على الموافقة الصريحة المسبقة من العميل قبل التواصل معه لأغراض تسويقية، ويفرض آلية “التأكيد المزدوج” كشرطٍ لصحة الموافقة التي يجب الحصول عليها طواعيةً دون ضغط ومع إتاحة وقت كافٍ للعميل لاستيعاب الشروط، على أن توضح الموافقة اللغة المفضلة للعميل وقنوات الاتصال وأساليب التواصل. ويتوافق هذا المبدأ مع تركيز قرار مجلس الوزراء 56/2024 على راحة وخصوصية المستهلك، مما قد يستوجب إعادة الشركات التفكير في طريقة جمع الموافقة وحفظها وتجديدها.
  • ضوابط عدم الاتصال. يُلزم قرار مجلس الوزراء 56/2024 الشركات بعدم الاتصال بالمستهلكين الواردة أرقامهم في سجل عدم الاتصال (DNCR)، ويُعزّز مشروع النظام ذلك بإلزام المؤسسات المالية المرخصة بضمان إمكانية الوصول الدائم إلى السجل المُحدَّث وتوفير تدريب شامل لمسوقيها على آلية استخدامه، فضلاً عن نشر توجيهات على منصاتها الرسمية تُوضّح للعملاء كيفية التسجيل فيه.
  • معايير التدريب والكفاءة. يضع مشروع النظام حداً أدنى من متطلبات التدريب ويشترط إعادة التدريب عند تغيّر المنتجات. كما يُلزم المؤسسات المالية المرخصة بالتأكد من أن المسوقين عبر الهاتف (1) يتلقون تدريباً على التسويق عبر الهاتف مرة سنوياً على الأقل، و(2) يُتمون 15 ساعة تدريبية على أخلاقيات السلوك المهنيّ والتعامل مع بيانات العملاء قبل مزاولة التسويق عبر الهاتف. ويملك المصرف المركزي صلاحية فرض متطلبات تدريب إضافية والمطالبة بتقارير دورية عن البرامج التدريبية التي أنجزها المسوقون عبر الهاتف.
  • النصوص النمطية والمكالمات المسجلة. يُلزم قرار مجلس الوزراء 56/2024 الشركات بتسجيل المكالمات الهاتفية التسويقية وإشعار المستهلك بهذا التسجيل عند بدء المكالمة. ويتوسّع مشروع النظام باشتراط نصوص نمطية لتعزيز الوضوح والامتثال، مع حفظ الموافقة المسجلة حيثما اقتضى الأمر. ويجب على المؤسسات المرخصة الاحتفاظ بسجلات اتصال شاملة لجميع أنشطة التسويق عبر الهاتف، بما فيها الاتصالات عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي والمكالمات الآلية، لمدة لا تقل عن خمس (5) سنوات.
  • توقيت الاتصال وتكراره. بموجب قرار مجلس الوزراء 56/2024، تقتصر المكالمات الهاتفية بغرض التسويق على الفترة من 9:00 صباحاً وحتى6:00 مساءً فقط في أيام العمل. ويُحدد مشروع النظام ضوابط أدق: تُسمح المكالمات في عطلة نهاية الأسبوع فقط بين 12:00 ظهراً و5:00 مساءً، وتُحظر في العطلات الرسمية. كما تُقيَّد اتصالات التسويق عبر الهاتف بالعميل نفسه بمرة واحدة شهرياً، إلا إذا طلب صراحةً خلاف ذلك. ويجب احترام أوقات الاتصال التي يُفضّلها العميل حيثما أُعرب عنها.
  • أنظمة الذكاء الاصطناعي والاتصال الآلي. يُقرر مشروع النظام متطلبات محددة لاستخدام أنظمة الاتصال الآلي (المكالمات الآلية) والاتصالات المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي. ويجب أن تُتيح أجهزة الاتصال الآلي خمس عشرة (15) ثانية أو أربع (4) رنات قبل قطع المكالمات غير المُجابة، ويجب ربط العملاء بمسوّق عبر الهاتف خلال ثانيتين (2) من ردهم. وحيثما تُستخدم اتصالات مُنتَجة بالذكاء الاصطناعي، يجب منح العملاء خيار التحويل إلى مسوّق بشري. ويظل استخدام الذكاء الاصطناعي خاضعاً للتشريعات السارية.

الآثار العملية ومخاطر المنازعات

يُقدّم مشروع النظام دلالة واضحة على توقعات المصرف المركزي الإشرافية فيما يخص التسويق عبر الهاتف، مما يستوجب من المؤسسات المرخصة البدء في تقييم أُطرها الراهنة في ضوء التوجه الذي يعكسه المشروع. وقد يترتب على مخالفة نظام التسويق عبر الهاتف اتخاذ إجراءات إشرافية وإدارية و/أو فرض عقوبات مالية من المصرف المركزي. كما ينبغي للمؤسسات الانتباه إلى مخاطر المنازعات المحتملة الناشئة عن شكاوى العملاء من المكالمات الهاتفية التسويقية غير المرغوب فيها، والتي قد تُحال إلى وحدة أمين المظالم (سندك) إذا لم تُسوَّ خلال عشرة (10) أيام عمل. ومن الناحية التطبيقية، من المرجح أن يشمل ذلك:

  • أطر موافقة العملاء: مراجعة آلية الحصول على الموافقة التسويقية وتسجيلها وحفظها، بما في ذلك القدرة على إثبات الموافقة في حال الطعن فيها.
  • ضوابط سجل عدم الاتصال: التأكد من توفر أنظمة وإجراءات لفحص قوائم التسويق مقابل سجل عدم الاتصال، والاحتفاظ بسجلات داخلية لعدم الاتصال، وتوثيق أي استثناءات جائزة.
  • الرقابة على الترتيبات المُسنَدة: عند إسناد أنشطة التسويق عبر الهاتف لجهات خارجية، التحقق من أن مراكز الاتصال ومقدمي الخدمات الخارجيين ملتزمون تعاقدياً بالمتطلبات السارية، مع دعم ذلك بالتدريب والرقابة المناسبين.
  • حفظ السجلات والرقابة والشكاوى: تقييم كفاية نظم تسجيل المكالمات واعتماد النصوص وسجلات تدريب العاملين وإجراءات معالجة الشكاوى، مع الحرص على إبقاء مسار تدقيق واضح يُثبت الامتثال. ويجب على المؤسسات المرخصة الاستعداد للتعامل مع الشكاوى المتعلقة بالمكالمات الهاتفية التسويقية غير المرغوب فيها وفقاً لنظام ومعايير حماية المستهلك.

بشكل عام، يُشير مشروع النظام إلى تحوّل واضح نحو معاملة التسويق عبر الهاتف بوصفه نشاطاً توزيعياً مُنظَّماً يخضع لحوكمة وضوابط وإنفاذ رسمي. وفيما يخص قطاع التأمين تحديداً، يُمثّل هذا تطوراً جوهرياً نظراً لاعتماد القطاع على التسويق عبر الهاتف كقناة توزيع. وإدراج التسويق عبر الهاتف ضمن أُطر الامتثال والسلوك المهني، بدلاً من اعتباره وظيفة تجارية بحتة، سيضع شركات التأمين في موقع أفضل لإدارة المخاطر التنظيمية ومخاطر المنازعات عقب اعتماد النظام. ونظراً لمهلة الامتثال البالغة ستين يوماً من النشر، ينبغي للمؤسسات المرخصة الشروع في تحليل الفجوات والتخطيط للمعالجة دون تأخير.

Next Article