كان للتصعيد الأخير للنزاع في الشرق الأوسط تأثير عميق على سلاسل الإمداد العالمية، ومسارات الشحن، وأسواق التأمين، والعلاقات التجارية العابرة للحدود. وبالنسبة للشركات التي تعمل في مصر أو من خلالها — باعتبارها محوراً أساسياً للتجارة الإقليمية بحكم قناة السويس وموقعها الاستراتيجي — أصبحت مسألة القوة القاهرة والظروف الاستثنائية ذات أهمية عملية ملحّة.
ويثور تساؤل مهم بشأن ما إذا كان يجوز لطرف في عقد يخضع للقانون المصري أن يتمسك بالقوة القاهرة أو يدفع بالمشقة استناداً إلى نظرية الظروف الاستثنائية عندما يؤدي نزاع مسلح، أو وباء، أو صدمة اقتصادية إلى تعطيل قدرته على تنفيذ التزاماته.
وفي سلسلة من الأحكام الحديثة، تناولت محكمة النقض المصرية تطبيق نظريتي الظروف الاستثنائية والقوة القاهرة على بعض أكثر الأحداث اضطراباً خلال العقد الماضي — بما في ذلك جائحة كوفيد-19، وقرار تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016، وحالة عدم الاستقرار الأمني التي أعقبت ثورة يونيو 2013. وتوفر هذه الأحكام، التي صدر عدد منها خلال عامي 2024 و2025، إرشادات قضائية مهمة بشأن مسائل جوهرية تتعلق بإمكانية التوقع، وتوقيت إبرام العقد بالنسبة للحدث الطارئ، والطبيعة الآمرة والمتعلقة بالنظام العام لنظرية الظروف الطارئة.
تتناول هذه المقالة الإطار القانوني المصري المنظم للقوة القاهرة والمشقة الناشئة عن الظروف الاستثنائية، استناداً إلى أحكام القانون المدني المصري (وتعديلاته)، مع تحليل هذه الأحكام القضائية، وتقديم إرشادات عملية للمحامين الذين يتعاملون مع المنازعات التعاقدية في مصر في ظل النزاع الإقليمي المستمر.
يرتكز قانون العقود المصري على تقاليد القانون المدني المتأثرة إلى حد كبير بالقانون المدني الفرنسي، مع تداخل لمبادئ الفقه الإسلامي. وترد القاعدة الأساسية في المادة 147(1) من القانون المدني المصري، التي تنص على أن: “العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون.” ويعكس هذا المبدأ قدسية العقد، وهو مفهوم يجد صداه العميق أيضاً في الفقه الإسلامي، حيث يدل مصطلح “العقد” على رابطة أو عهد ملزم يتعين على الأطراف الوفاء به.
ويتعزز مبدأ قدسية العقد كذلك بموجب المادة 148(1)، التي تقضي بأن: “[ي]جب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.” ومن ثم، يفرض القانون المصري التزاماً بتنفيذ العقود بحسن نية إلى جانب القوة الملزمة للاتفاق ذاته.
إلا أن المشرّع المصري أدرك أن التطبيق الجامد لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة عندما تخلّ الأحداث الاستثنائية بالتوازن الاقتصادي للعقد. ولذلك، أتاح القانون المدني المصري آليتين لمعالجة مثل هذه الاضطرابات: نظرية الظروف الاستثنائية (المشقة) ونظرية القوة القاهرة (الاستحالة).
تنص المادة 147(2) من القانون المدني المصري على الأساس التشريعي لنظرية الظروف الطارئة، إذ جاء فيها: “ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.”
ويمثل هذا النص خروجاً عن القاعدة الصارمة لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين من ناحيتين أساسيتين:
ولم تكن هذه النظرية جزءاً أصيلاً من القانون المصري في البداية. فقد رفضت محكمة النقض المصرية في البداية تطبيقها، اقتداءً بمحكمة النقض الفرنسية، على أساس خلو القانون من نص يؤيدها. إلا أن القضاء الإداري أعاد إحياء النظرية بدافع تحقيق العدالة بين المتعاقدين عند اختلال التوازن الاقتصادي للعقد.
وفي نهاية المطاف، تم تقنين النظرية في القانون المدني الحالي، وأُعلن صراحة أن المادة 147(2) من النظام العام، بما يعني بطلان أي اتفاق بين الأطراف على استبعاد تطبيقها، سواء أبرم قبل وقوع الحدث الاستثنائي أو بعده.
يشترط لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية توافر أربعة شروط متراكمة:
الحرب المصرية الإسرائيلية
في حكم صادر عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 11 يناير 1978 (الطعن رقم 448 لسنة 43 قضائية)، تناولت المحكمة مسألة الحرب والظروف الاستثنائية. وفي هذه القضية، كان الطاعنون مستأجري فندق دفعوا بأن حرب 1967 العربية الإسرائيلية تمثل حدثاً استثنائياً أدى إلى انخفاض حاد في إيرادات السياحة، مما جعل الأجرة مرهقة بصورة غير متناسبة.
ورفضت محكمة النقض هذا الدفع. وقررت أن حالة الحرب بين مصر وإسرائيل كانت مستمرة منذ النزاع الأصلي عام 1948، وأن حربي 1956 و1967 لم تكونا سوى حلقات متعاقبة في صراع مسلح مستمر. وبناءً عليه، رأت المحكمة أن عنصر عدم التوقع غير متوافر، إذ إن الشخص المعتاد كان يمكنه توقع احتمال تجدد الأعمال العدائية في أي وقت.
وأبدت المحكمة عدة ملاحظات مهمة. فقد عرّفت الحرب، في القانون الدولي، بأنها نزاع مسلح بين دولتين، وقررت أن حالة العداء الفعلية بين مصر وإسرائيل — بما تحمله من جميع سمات الحرب — تظل قائمة إلى أن يتم حسم النزاع الأساسي نهائياً أو إبرام معاهدة سلام.
كما قررت المحكمة أن الأوامر العسكرية والقرارات الجمهورية التي تحدد مدة القتال الفعلي في ميدان المعركة لا تعدو أن تكون ترتيبات إدارية داخلية لا أثر لها على استمرار حالة الحرب الواقعية. وكذلك فإن التصريحات السياسية الصادرة على أعلى المستويات لا تنفي واقع استمرار حالة الحرب، بالنظر إلى الضغوط السياسية المحيطة بمثل هذه التصريحات.
ويترتب على ذلك أن الحرب قد تُعد من حيث المبدأ قوة قاهرة أو ظرفاً استثنائياً، ولكن فقط إذا تحقق عنصر عدم التوقع بصورة حقيقية، أي إذا كان النزاع المسلح مفاجئاً بالفعل. أما إذا كانت حالة العداء مستمرة أو كان النزاع امتداداً متوقعاً لنزاع قائم، فلا مجال لتطبيق النظرية.
جائحة كوفيد-19
في الطعن المصري رقم 21724 لسنة 93 قضائية، الصادر بتاريخ 23 يونيو 2025، نقضت محكمة النقض حكماً استئنافياً رفض تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية. وكان الطاعن قد أبرم عقد استثمار بتاريخ 4 فبراير 2020، ودفع بأن جائحة كوفيد-19 تسببت في خسائر مالية جسيمة لنشاطه التجاري. وكانت المحكمة الأدنى قد رفضت الدعوى على أساس أن العقد أُبرم بعد ظهور الجائحة.
إلا أن محكمة النقض أشارت إلى أن أول إصابة اكتُشفت في مصر كانت لأجنبي بتاريخ 14 فبراير 2020، وأن أول إصابة لمواطن مصري تم الإعلان عنها في 5 مارس 2020، وفقاً لما أعلنته وزارة الصحة المصرية ومنظمة الصحة العالمية. كما أن إعلان حالة الطوارئ لم يحدث إلا في 28 أبريل 2020.
ومن ثم، رأت المحكمة أن المحكمة الأدنى أخطأت عندما اعتبرت أن الجائحة كانت متوقعة وقت توقيع العقد (فبراير 2020)، وأعادت القضية لإعادة نظرها. وأكدت المحكمة أن تحقق شروط نظرية الظروف الاستثنائية يبطل أثر أي اتفاق مخالف لها، مشيرة إلى أن تحقق هذه النظرية “يبطل أثر أي اتفاق مخالف لأحكامها”.
وفي حكم حديث آخر، هو الطعن المصري رقم 1348 لسنة 93 قضائية، الصادر بتاريخ 25 مايو 2024، نظرت محكمة النقض في قضية مستأجر كان يدير صالة ألعاب رياضية وتوقف عن سداد الإيجار خلال الجائحة. وأشارت المحكمة إلى أن رئيس مجلس الوزراء أصدر عدة قرارات — منها القرارين رقمي 606/2020 و1246/2020 — بتعليق جميع الأنشطة التي تتطلب تجمعات كبيرة، وأن أساس هذه القرارات جميعها كان وجود قوة قاهرة تتمثل في جائحة كوفيد-19.
وقضت المحكمة بأن الجائحة تُعد ظرفاً استثنائياً لم يكن في وسع المستأجر توقعه، وأن آثارها جعلت تنفيذ الالتزام بسداد الإيجار مرهقاً بما يهدده بخسارة جسيمة. واعتبرت أن رفض المحكمة الأدنى لدفع المستأجر على أساس أن الجائحة كانت متوقعة (لأنها بدأت أواخر 2019 ومنح المستأجر مهلة عدة أشهر) جاء قاصراً وغير قائم على أسباب كافية. ومن ثم نقضت محكمة النقض الحكم وأعادت الدعوى.
تعويم الجنيه المصري
صدرت كذلك عدة أحكام تناولت قرار البنك المركزي المصري بتاريخ 3 نوفمبر 2016 بتعويم الجنيه المصري، والذي أدى إلى انخفاض حاد في قيمته وارتفاع كبير في أسعار المواد الخام ومواد البناء والعمالة. وقد أُقيمت في مصر العديد من الدعاوى التي استندت إلى الظروف الاستثنائية أو القوة القاهرة نتيجة لهذا الحدث.
ففي الطعن المصري رقم 13526 لسنة 93 قضائية، الصادر بتاريخ 5 مايو 2025، نقضت محكمة النقض حكماً لمحكمة أدنى قضى بفسخ عقد مقاولة والتعويض. وكان المقاول الطاعن قد دفع بأن تعويم العملة يمثل حدثاً استثنائياً جعل تنفيذ التزامه بالبناء في الميعاد مرهقاً، لا سيما وأنه كان قد أتم أكثر من 90% من الأعمال المتفق عليها.
وقضت المحكمة بأن المحكمة الأدنى أخطأت لعدم بحثها دفع الظروف الاستثنائية وعدم تقييمها لما إذا كان عدم التنفيذ قليل الأهمية بالنسبة للالتزام ككل، وفقاً لما تقضي به المواد 147(2) و658(4) و148 و157 من القانون المدني.
وفي قضية مشابهة أخرى (الطعن المصري رقم 9507 لسنة 91 قضائية، الصادر بتاريخ 20 يناير 2024)، تمسك المطور العقاري الطاعن بوجود ظروف استثنائية ناجمة عن حالة عدم الاستقرار الأمني عقب ثورة يونيو 2013، فضلاً عن ارتفاع الأسعار بعد التعويم. وكانت المحكمة الأدنى قد رفضت هذا الدفع على أساس أن العقد أُبرم أثناء أو بعد وقوع الأحداث الاستثنائية وأن المطور كان يمكنه توقعها.
ورأت محكمة النقض أن هذا التسبيب غير كافٍ، مؤكدة أن المحكمة الأدنى لم تتناول الدفع معالجة جدية، وأن تحقق شروط نظرية الظروف الاستثنائية “يبطل أثر أي اتفاق مخالف لأحكامها”. وأعادت المحكمة القضية لإعادة بحث مدى توافر شروط المادة 147(2).
الجزاءات القضائية
عند توافر الشروط، يجوز للمحكمة — بناءً على طلب المدين — أن ترد الالتزام إلى الحد المعقول. وتتمتع المحكمة بسلطة تقديرية واسعة؛ إذ يجوز لها وقف التنفيذ إلى حين زوال الأزمة، أو تقليل كمية البضائع الواجب تسليمها، أو توزيع الخسارة بين المدين والدائن بالتساوي.
ومن المهم أن المحكمة لا تملك فسخ العقد استناداً إلى هذه النظرية، كما لا يجوز للمدين الذي سبق له تنفيذ الالتزام المرهق أن يطالب بالرد بعد التنفيذ. ومع ذلك، يبقى للدائن الحق في طلب إنهاء العقد بصورة مستقلة.
كما قضت محكمة النقض المصرية بأن النظرية لا تنطبق على العقود الاحتمالية مثل المضاربات في البورصة، على أساس أن هذه العقود بطبيعتها تعرض الطرفين لاحتمال الربح أو الخسارة الكبيرة.
إذا جعل الحدث الاستثنائي تنفيذ الالتزام مستحيلاً لا مرهقاً فحسب، فإن القانون المصري ينتقل من نطاق نظرية الظروف الطارئة إلى نطاق نظرية القوة القاهرة. وتتمثل النصوص القانونية الرئيسية في الآتي:
عناصر القوة القاهرة
رغم أن القانون المدني المصري لا يضع تعريفاً تشريعياً للقوة القاهرة، فإن القضاء المصري يشترط لتطبيقها توافر ثلاثة عناصر، وهي أن يكون الحدث:
وقد أُشير إلى أن غياب تعريف تشريعي دقيق خلق “ساحة نزاع حول النطاق الدقيق للنظرية”.
وتحمل نظرية العذر في الفقه الإسلامي ومفهوم الضرورة أوجهاً من التشابه مع نظريتي الظروف الطارئة والقوة القاهرة في القانون المدني، وإن كان تطبيقهما في القانون المصري يتم من خلال النصوص التشريعية المقننة وليس بالتطبيق المباشر للفقه.
وتنص المادة الأولى من القانون المدني المصري على أنه في حال عدم وجود نص تشريعي، يحكم القاضي بمقتضى العرف، فإن لم يوجد فبمقتضى “مبادئ الشريعة الإسلامية”. ومن ثم، تمثل الشريعة الإسلامية مصدراً احتياطياً يعزز الأهداف العادلة التي تقوم عليها كل من المادة 147(2) والمادة 373.
التمييز بين الظروف الاستثنائية والقوة القاهرة
يكمن الفرق الرئيسي بين نظريتي الظروف الاستثنائية والقوة القاهرة في جانبين:
تطبيقات خاصة في القانون المصري
يتضمن القانون المدني المصري أيضاً أحكاماً خاصة بالقوة القاهرة في قطاعات معينة، بما يوضح اتساع نطاق تطبيق النظرية.
بتطبيق الإطار المتقدم، فإن النزاع الجيوسياسي الإقليمي قد يستوفي متطلبات كل من نظرية الظروف الاستثنائية ونظرية القوة القاهرة، بحسب أثره على الالتزام المعني.
فالنزاع وما يرتبط به من عمليات عسكرية، واضطرابات في الشحن في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وعقوبات، وانقطاعات في سلاسل الإمداد، وقيود حكومية، تُعد بلا شك أحداثاً “استثنائية” بمعنى أنها نادرة وغير اعتيادية وتؤثر في عدد كبير من الأشخاص والشركات في أنحاء المنطقة.
ويعترف القانون المصري بالحروب والأوبئة باعتبارها أمثلة على الأحداث الاستثنائية، ومن ثم فإن النزاع المسلح بين القوى الإقليمية يندرج بوضوح ضمن هذه الفئة. ومع ذلك، يُرجح أن يكون عنصر التوقع هو أكثر العناصر إثارة للنزاع. إذ ستبحث المحاكم فيما إذا كان الأثر المحدد للنزاع على الالتزام محل النزاع كان يمكن توقعه وقت إبرام العقد.
ولا يعني مجرد كون التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ليست غير مسبوقة أن أي تصعيد معين يصبح “متوقعاً” تلقائياً — تماماً كما أن فيضان النيل السنوي متوقع، بينما قد لا يكون فيضان كارثي معين كذلك. ويتمثل المعيار الصحيح في ما إذا كانت شدة النزاع وآثاره المحددة على التزام المدين تقع ضمن نطاق الأحداث التي يتوقعها الشخص المعتاد.
وبالنسبة للعقود المبرمة قبل اندلاع الأعمال العدائية أو تصعيدها الكبير، فإن حجة عدم التوقع تكون أقوى. أما العقود المبرمة بعد أن أصبحت التوترات معروفة على نطاق واسع، فمن المرجح أن ترى المحكمة أن الأطراف قبلت بالمخاطر. ويُعد هذا البعد بالغ الأهمية؛ إذ يجب على المدين إثبات أن العقد أُبرم قبل أن يصبح الحدث متوقعاً، وأن ميعاد التنفيذ حل أثناء الأزمة أو بعدها.
من الطبيعي أن يختلف أثر النزاع على الالتزامات التعاقدية المختلفة. فإذا تسبب النزاع في ارتفاع كبير في تكاليف الشحن أو أسعار المواد الخام أو أقساط التأمين، مع بقاء التنفيذ ممكناً من الناحية المادية، فإن النظرية الواجبة التطبيق هي نظرية الظروف الاستثنائية وفق المادة 147(2).
فإذا استطاع المدين إثبات أن التنفيذ سيؤدي إلى خسارة فادحة تتجاوز المخاطر التجارية المعتادة، جاز للمحكمة رد الالتزام إلى الحد المعقول. أما إذا جعل النزاع التنفيذ مستحيلاً بالفعل — كأن يُغلق مسار شحن فعلياً، أو تُفرض عقوبات تجعل التسليم غير مشروع، أو يصدر أمر حكومي يحظر النشاط محل الالتزام — فإن نظرية القوة القاهرة وفق المواد 159 و215 و373 هي التي تنطبق، بما يؤدي إلى انقضاء الالتزام وانفساخ العقد تلقائياً. وإذا أثبت المدين الاستحالة الكاملة في التنفيذ بسبب النزاع، جاز للمحكمة إلغاء التزامه بالكامل وفسخ العقد.
ينبغي للمحامين الذين يراجعون العقود القائمة في ضوء النزاع القائم أن يدرسوا مدى كفاية شروط القوة القاهرة الواردة فيها. فكثير من العقود تتضمن شروطاً خاصة بالقوة القاهرة تحدد الأحداث التي تُعد أسباباً مبررة لعدم التنفيذ. وإذا وُجدت مثل هذه الشروط، فإنها تكون في الغالب مقدمة على النصوص القانونية العامة، إذ يجيز القانون المصري للأطراف تنظيم القوة القاهرة باتفاقهم.
وينبغي التحقق مما إذا كانت مصطلحات مثل “الحرب”، و”النزاع المسلح”، و”القيود الحكومية”، و”العقوبات”، و”الحظر التجاري” واردة صراحة ضمن الحالات المشمولة. كما أن الصياغة الواسعة التي تشير إلى أحداث “خارجة عن السيطرة المعقولة للأطراف” توفر حماية أكبر من القوائم الضيقة المحددة.
وحتى في حال وجود شرط تعاقدي للقوة القاهرة، تبقى نظرية الظروف الاستثنائية المنصوص عليها في المادة 147(2) متاحة باعتبارها من النظام العام. وأي شرط تعاقدي يستبعد هذه النظرية يُعد باطلاً. وفي المقابل، تجيز المادة 217(1) للمدين أن يتحمل تبعة القوة القاهرة باتفاق خاص، ولذلك ينبغي مراجعة العقود للتحقق مما إذا كان هناك تحمل تعاقدي للمخاطر.
كما يجب على المحامين دراسة توقيت إبرام العقد مقارنة بتاريخ تصاعد النزاع. فالعقود المبرمة بعد أن أصبح النزاع متوقعاً على الأرجح لن تستفيد من أي من النظريتين. كذلك، يجب التمييز بين ما إذا كان النزاع يجعل التنفيذ مرهقاً بشكل بالغ (الظروف الاستثنائية) أو مستحيلاً كلياً (القوة القاهرة)، نظراً لاختلاف النظرية الواجبة التطبيق والجزاءات المترتبة عليها بصورة جوهرية.
يفرض النزاع الجيوسياسي الإقليمي تحديات جسيمة على الأطراف المتعاقدة في مصر. ومع ذلك، تمتلك مصر إطاراً قانونياً متطوراً وراسخاً للتعامل مع هذه التحديات. فالإطار المزدوج الذي يميز بين المشقة (الإرهاق الشديد) والقوة القاهرة (الاستحالة) يوفر آلية دقيقة لمعالجة الاضطرابات التعاقدية بحسب درجة جسامتها.
كما أن الطبيعة الآمرة والمتعلقة بالنظام العام لنظرية الظروف الطارئة بموجب المادة 147(2) تضمن عدم حرمان المدينين الضعفاء تعاقدياً من الحماية، بينما توفر أحكام القوة القاهرة في المواد 159 و215 و373 إنهاءً واضحاً للالتزام عندما يصبح التنفيذ مستحيلاً بالفعل.
وتؤكد أحكام محكمة النقض الحديثة التي تناولتها هذه المقالة عدة مبادئ مهمة. أولاً، يظل عنصر التوقع هو محور النزاع الأساسي؛ فكما بيّن حكم عام 1978 التاريخي بشأن الحرب العربية الإسرائيلية، فإن استمرار حالة العداء قد يحرم الطرف من عنصر عدم التوقع. كما تؤكد أحكام كوفيد-19 الصادرة في عامي 2024 و2025 أن المحاكم ستدقق بدقة في التاريخ المحدد الذي أصبح فيه الحدث الطارئ متوقعاً — وليس فقط تاريخ ظهوره عالمياً، وإنما التاريخ الذي ظهر فيه أثره أو تم الاعتراف به رسمياً داخل مصر.
ثانياً، أكدت المحكمة باستمرار أن تحقق شروط نظرية الظروف الاستثنائية “يبطل أثر أي اتفاق مخالف لأحكامها”، بما يرسخ الطبيعة الآمرة لهذه النظرية.
وثالثاً، توضح قضايا تعويم العملة أن المحاكم لن تتسامح مع إخفاق المحاكم الأدنى درجة في بحث دفع الظروف الاستثنائية بصورة جدية، وأنها ستعيد القضايا إذا كان هذا التحليل قد أُجري بصورة قاصرة أو غير كافية