Book an appointment with us, or search the directory to find the right lawyer for you directly through the app.
Find out more
Deal by Design
Welcome to this edition of Law Update, focusing on the evolving M&A landscape across the MENA region. With deal activity and value continuing to grow, the region is seeing increased investor interest alongside a changing regulatory environment.
This edition explores key legal and market developments affecting M&A transactions, including regulatory reforms, foreign investment, governance, due diligence and deal structuring across the region.
شهدت العلاقات الاقتصادية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الروسي نمواً لافتاً ومتسارعاً في السنوات الأخيرة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين في عام 2025 نحو 20.4 مليار دولار أمريكي، أي بزيادة نسبتها 77.7% عن عام 2024، وبما يناهز ضعف ما سُجِّل في عام 2022 (10.8 مليار دولار أمريكي). وتشير التقارير المتداولة إلى أن التكنولوجيا المالية والرعاية الصحية والنقل والخدمات اللوجستية والخدمات المهنية تتصدر القطاعات المرشحة لتعميق التعاون.
وفي هذا السياق، يكتسب دخول اتفاقية التجارة في الخدمات والاستثمار المبرمة بين حكومتي الاتحاد الروسي ودولة الإمارات العربية المتحدة (“الاتفاقية“) حيز النفاذ أهمية خاصة، إذ وُقِّعت الاتفاقية في موسكو في 8 أغسطس 2025 وأصبحت نافذة اعتباراً من أغسطس 2026.
وبموجب الاتفاقية، تُقام منطقة تجارة حرة في مجالي الخدمات والاستثمار، لتُستكمل بذلك منظومة العلاقات الاقتصادية الإماراتية الروسية. فإلى جانب اتفاقية الشراكة الاقتصادية المبرمة عام 2025 بين الإمارات والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، باتت الاتفاقية تشكّل إطاراً متكاملاً يشمل تجارة السلع والخدمات والاستثمار وييسّرها جميعاً على نحو كبير، ويفتح الباب على مصراعيه أمام تدفق رؤوس الأموال الروسية إلى الإمارات بوتيرة أسرع.
تستند الاتفاقية إلى عدد من الصكوك الدولية والثنائية القائمة بالفعل بين روسيا والإمارات.
فمن ناحية أولى، أُقيمت منطقة التجارة الحرة بموجب الاتفاقية استناداً إلى المادة الخامسة من الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (الجاتس)، وسارت الاتفاقية على نهج الجاتس المعروف القائم على النفاذ إلى الأسواق والمعاملة الوطنية ومعاملة الدولة الأولى بالرعاية وجداول الالتزامات المحددة. وعليه، فالأصح أن تُقرأ الاتفاقية باعتبارها صكاً ثنائياً لتحرير التجارة يمضي في قطاعات بعينها إلى ما هو أبعد من التزامات الطرفين لدى منظمة التجارة العالمية، ويفتح بين روسيا والإمارات على وجه الخصوص أبواباً موصدة أمام سائر أعضاء المنظمة.
ومن ناحية ثانية، تأتي الاتفاقية مكمّلةً لاتفاقية الشراكة الاقتصادية المبرمة عام 2025 مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي؛ فبينما انصبّت تلك الاتفاقية أساساً على تحرير تجارة السلع، تتولى هذه الاتفاقية شقّي الخدمات والاستثمار في العلاقة بين البلدين، بحيث تشكّل الاتفاقيتان معاً إطاراً متكاملاً للتجارة الحرة.
ومن ناحية ثالثة، تؤكد الاتفاقية صراحةً استمرار العمل باتفاقية عام 2010 المبرمة بين روسيا والإمارات بشأن تشجيع الاستثمارات وحمايتها على أساس متبادل، وتُسجِّل رغبة الطرفين في تطويرها. ولهذا التمييز أهميته؛ فالفصل الخاص بالاستثمار في الاتفاقية الجديدة تيسيري ومؤسسي بطبيعته في المقام الأول، ولا يحل محل اتفاقية الاستثمار الثنائية ولا يستحدث آلية جديدة لتسوية المنازعات بين المستثمرين والدول.
وتندرج الاتفاقية كذلك ضمن منظومة ضريبية ثنائية توسّعت مؤخراً؛ إذ وقّعت الإمارات وروسيا في 17 فبراير 2025 اتفاقية جديدة لتجنب الازدواج الضريبي على الدخل ورأس المال، دخلت حيز التطبيق في 1 يناير 2026. وتسري الاتفاقية الضريبية الجديدة على الشركات الخاصة والأفراد على السواء، وتضع بوجه عام حداً أقصى قدره 10% للضريبة المستقطعة من المنبع على توزيعات الأرباح والفوائد والإتاوات، وفق الشروط المقررة. وبما أنها تحدّ من خطر الازدواج الضريبي، فهي تعضد الاتفاقية بتذليل العقبات الضريبية أمام الخدمات والتمويل والاستثمار العابرة للحدود.
لعل أبرز ما يلفت النظر في الاتفاقية هو التفاوت الواضح بين التزامات الطرفين.
فبحسب ما تناقلته التقارير، تعهدت الإمارات بالتزامات في 64 قطاعاً خدمياً فرعياً زيادةً على التزاماتها القائمة لدى منظمة التجارة العالمية، مقابل 12 قطاعاً فرعياً إضافياً فتحتها روسيا. وبذلك يحظى مقدمو الخدمات الروس بنفاذ إلى السوق الإماراتية يفوق بكثير ما يحظى به نظراؤهم الإماراتيون في السوق الروسية.
ويبدو أن هذا التفاوت ليس إلا انعكاساً لوجهة الطلب التجاري وحركة رؤوس الأموال القائمة فعلاً؛ فقد غدت الإمارات، أكثر فأكثر، منطلقاً للشركات الراغبة في الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا وشبه القارة الهندية. وتأتي الشركات الروسية في طليعة تلك الشركات، إذ وطّدت حضورها في الإمارات واتخذتها مقراً إقليمياً ومركزاً للتمويل ومنصةً لوجستية تخدم منها هذه الأسواق.
وعلى هذا، يمكن قراءة السخاء الأكبر الذي أبدته الإمارات في التحرير على أنه استجابة عملية لما استقرت عليه أنماط التجارة والاستثمار بين البلدين. وقد جاءت الاتفاقية لتُضفي صفة رسمية على هذا الواقع، مع تقرير التزامات متبادلة وإن تفاوتت في عددها.
وقد يعزز هذا التفاوت أيضاً الدور الأوسع للإمارات بوصفها مركزاً للخدمات والخدمات اللوجستية للتجارة عبر الحدود بين أوراسيا والأسواق الواقعة إلى الجنوب والشرق، وهو ما يزيده رسوخاً النص الصريح في الاتفاقية على التعاون في شأن ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.
بالنسبة لمقدمي الخدمات الروس، تُفتح قطاعات معينة دون القيود التي كانت سارية من قبل. وفي مقدمة المستفيدين مقدمو خدمات الحاسب الآلي، والبحث والتطوير، والاختبارات والتحاليل الفنية، والاستشارات الفنية، وخدمات حجز النقل الجوي، وإصلاح السفن والطائرات، ونقل الركاب والبضائع بالسكك الحديدية، وخدمات الإدارة، والتعليم، والخدمات القانونية.
ففي هذه القطاعات، بات في وسع الشركات الروسية تملّك كيانات إماراتية بالكامل، وذلك في حدود الجدول الملحق بالاتفاقية واشتراطات الترخيص المحلية. ويجوز للمستثمرين الروس كذلك تأسيس كيانات مملوكة لهم بالكامل في مناطق حرة إماراتية محددة لمزاولة أنشطة بعينها في المصارف والرعاية الصحية ووكالات الأنباء. أما في قطاعات أخرى نصّت عليها الاتفاقية، كالخدمات الهندسية المركبة، والخدمات الطبية وطب الأسنان، وتأجير السفن وغيرها من وسائل النقل دون طاقم تشغيل، والنقل البحري للركاب، فيجوز أن تصل المشاركة الروسية المباشرة إلى حد 70%.
ولا يقف أثر ذلك عند مقدمي الخدمات وحدهم؛ فتيسير الوصول إلى الخدمات المالية واللوجستية والفنية والمهنية كفيل بخفض كلفة المعاملات المرتبطة بالتجارة السلعية بين البلدين. وبهذا المعنى، يمكن أن تؤدي الاتفاقية دور البنية الخدمية التي يقوم عليها التحرير الجمركي الذي أرسته اتفاقية الإمارات مع الاتحاد الأوراسي.
لا تقتصر الاتفاقية على تعداد القطاعات المفتوحة، بل تُنشئ مجموعة من الضوابط التي تحكم كيفية تنظيم الطرفين للخدمات المشمولة بالتزاماتهما.
فالمادة 4.5 تُلزم كل طرف بأن يتيح النفاذ إلى الأسواق على النحو الوارد في جدوله، وتحظر عليه، ما لم يكن قد أبدى تحفظاً صريحاً، فرض قيود كالحصص العددية، أو الاحتكارات، أو اختبارات الاحتياجات الاقتصادية، أو القيود على القيمة الإجمالية للخدمات أو كميتها، أو الحدود القصوى لعدد العاملين المعنيين، أو الأشكال القانونية المفروضة للكيانات، أو القيود على مشاركة رأس المال الأجنبي. وتشترط المادة 4.6 بصورة مستقلة المعاملة الوطنية في القطاعات المدرجة، مع مراعاة التحفظات المثبتة في جدول كل طرف.
وتكتسب المادة 4.10 أهمية خاصة بالنسبة للشركات العاملة في القطاعات الخاضعة للتنظيم؛ إذ توجب تطبيق التدابير ذات الطابع العام على نحو معقول وموضوعي ومحايد، وأن تقوم اشتراطات التأهيل والمعايير الفنية وإجراءات الترخيص على أسس موضوعية وشفافة دون أن تتجاوز ما تقتضيه المحافظة على جودة الخدمة. وتُلزم السلطات المختصة كذلك بإتاحة المعلومات الخاصة باشتراطات تقديم الطلبات والرسوم والمعايير الفنية وإجراءات المراجعة والمدد المتوقعة للبت.
ومع أن هذه الالتزامات قد ترفع درجة الوضوح والقدرة على التوقع، فإنها لا تُغني عن التنظيم المحلي؛ فالنفاذ إلى السوق بموجب معاهدة دولية شيء، والحصول على ترخيص محلي شيء آخر لا يترتب عليه تلقائياً.
وعليه، فالشركة الروسية التي أجازت لها الاتفاقية تأسيس كيان إماراتي مملوك لها بالكامل تبقى ملزمة باستيفاء المتطلبات الاتحادية والمحلية في الإمارة المعنية، وقواعد المنطقة الحرة، وشروط الترخيص، واشتراطات التأهيل المهني، وموافقات الجهات القطاعية. ويسري الأمر نفسه على الشركات الإماراتية الوافدة إلى السوق الروسية.
تستحدث الاتفاقية هيئتين مؤسسيتين قد يكون لهما دور مهم عند وضعها موضع التنفيذ.
فقد نصت المادتان 3.3 و3.4 على إنشاء مجلس للاستثمار بين الاتحاد الروسي والإمارات، يتولى متابعة العلاقات الاستثمارية بين البلدين، ورصد فرص التوسع فيها، والتشاور في سبل زيادة تدفقات الاستثمار، والسعي إلى إزالة ما يعترضه من عوائق. وللمجلس أن يستطلع آراء القطاع الخاص مباشرةً، ولكل من الطرفين أن يحيل إليه مسألة استثمارية بعينها بطلب كتابي يحدد فيه العقبة المقصودة.
وبذلك تتوافر للشركات قناة قد تثبت جدواها، إذ تجنّبها كثيراً من الإجراءات الشكلية التي كانت ستواجهها لو سعت إلى معالجة العقبة لدى سلطات الدولة الأخرى مباشرةً. صحيح أن الأطراف الخاصة لا تملك، فيما يبدو، صفة لرفع مطالباتها إلى المجلس مباشرةً، غير أن بإمكانها أن تعرض ما يصادفها من عقبات تنظيمية أو عملية على حكومتها، ولهذه الأخيرة أن تطرح المسألة أمام المجلس. وينسجم ذلك مع مبدأ المعاملة الوطنية الذي أعلنته الاتفاقية: فالأطراف التجارية تلجأ إلى سلطاتها الوطنية، وتتولى هذه السلطات بدورها التواصل المباشر مع نظيراتها في الدولة الأخرى لمعالجة المسألة.
كما تنشئ الاتفاقية لجنة مشتركة تجتمع مرة كل سنتين، وتضطلع على مستوى الدولتين بمسؤولية أشمل تتمثل في الإشراف على تطبيق الاتفاقية وتنفيذها.
ومن شأن هاتين الهيئتين أن توفرا سبيلاً عملياً لحل ما يعترض تدفقات رؤوس الأموال أو تجارة الخدمات من عقبات، قبل أن تتفاقم وتتحول إلى منازعات رسمية بين الدولتين.
تتضمن الاتفاقية استثناءات جوهرية.
فقد أُخرجت من نطاق فصل الخدمات المشتريات الحكومية، والإعانات والمنح وسائر صور الدعم الذي تقدمه الدولة، وكذلك التدابير التي تنظّم الدخول إلى سوق العمل الدائم أو تتصل بالجنسية أو الإقامة الدائمة أو العمل الدائم. واستُثنيت كقاعدة عامة حقوق النقل الجوي وما يرتبط بممارستها من خدمات، مع إبقاء نطاق الاتفاقية مفتوحاً لخدمات بعينها هي إصلاح الطائرات وصيانتها، والبيع والتسويق، ونظم الحجز الحاسوبية، وتشغيل المطارات وإدارتها، والمناولة الأرضية.
ولا تدخل في مفهوم “الخدمات” أصلاً الخدمات الحكومية التي لا تُقدَّم بمقابل تجاري ولا على سبيل المنافسة مع غيرها من مقدمي الخدمات. وأبقت الاتفاقية على الاستثناءات العامة المألوفة التي تجيز التدابير اللازمة لحماية الآداب العامة والنظام العام والصحة والسلامة والخصوصية وضمان الامتثال للقوانين الوطنية، إلى جانب استثناءات أمنية واسعة. ويجوز للطرفين فوق ذلك فرض قيود عند التعرض لصعوبات جسيمة في ميزان المدفوعات أو المركز المالي الخارجي، وفق شروط محددة.
يمكن للشركات أن تستخلص من الاتفاقية أمرين رئيسيين. أولهما أنها تفتح أبواباً كانت موصدة أو نصف مفتوحة، ومنها إمكانية التملك الأجنبي الكامل في قطاعات بعينها. وثانيهما أن اجتياز هذه الأبواب لا يزال يستلزم تمحيص ما تعهد به الطرفان تحديداً في جداول الاتفاقية، والإلمام باللوائح المحلية الخاصة بكل قطاع، والبيئة القانونية الأشمل في البلدين. فبالتخطيط الحصيف والمشورة المحلية السديدة، تستطيع الشركات أن تحوّل ما اكتسبته من حقوق جديدة إلى فرص تجارية ملموسة.