محكمة نقض أبو ظبي تؤكد: أن إلغاء مؤسسة التحكيم لا يُسقط شرط التحكيم (10/10)

February 18, 2026 (Edited) English

مقدمة:

أكدت محكمة النقض في أبو ظبي في الطعن رقم 586 لسنة 2024 توجهاً واضحاً داعماً للتحكيم فيما يتعلق بمسألتين متكررتين في المنازعات المنظورة أمام محاكم دولة الإمارات العربية المتحدة، وهما: 1- استمرار نفاذ شروط التحكيم التي تُحيل إلى مؤسسات تحكيمية في دبي كانت قد أُلغيت بموجب المرسوم رقم 34 لسنة 2021، 2-نطاق سلطة مدراء الشركات ذات المسؤولية المحدودة في الاتفاق على التحكيم. هذا وقد رفضت المحكمة دفوع الطاعنين المتعلقة بالاختصاص وبانعدام السلطة، وأيدت أحكام محكمتي الدرجة الأولى والاستئناف القاضية بعدم الاختصاص الولائي لنظر الدعوى لوجود شرط تحكيم، كما ألزمت الطاعنين بالمصاريف. ويُسهم هذا الحكم في توضيح آليات المرحلة الانتقالية بعد صدور المرسوم رقم 34 لسنة 2021، ويؤكد مجدداً أن مدراء الشركات ذات المسؤولية المحدودة، لهم السلطة المطلقة في إبرام الاتفاقات المتضمنة شرط التحكيم ما لم يوجد قيد صريح ، يقيد هذه الصلاحية.

الوقائع والخلفية الإجرائية

نشأ النزاع عن علاقات لإدارة استثمارات تضمنت معاملات في الأسهم، وعمولات، وادعاءات بالتصرف غير المصرح به في أوراق مالية. حيث أقامت شركتان دعوى أمام محكمة أبوظبي التجارية طالبتا فيها بندب خبير لتحديد أعلى قيمة بلغتها أسهم معينة بعد أن قام المدعى عليه الأول – على حد الزعم – ببيعها دون تفويض، وتقدير الأرباح الفائتة و”فوات الفرصة”، إضافة إلى تسوية وإعادة العمولات التي قيل إنها اقتُطعت بصورة مفرطة من قبل المدعى عليهما منذ عام 2018. كما طالبتا بالتعويض عن فروق الأسعار بين قيم البيع المزعومة غير المصرح بها والقيم الأعلى التي بلغتها الأسهم لاحقاً، فضلاً عن الفوائد والتعويض الإضافي ضد المدعى عليه الثاني عن ضياع فرص استثمارية.
وتضمن الادعاء أنه في عام 2018 تم تحويل أموال للاستثمار، وأنه في يونيو 2019 صدرت تعليمات بشراء محفظة من الأسهم، إلا أن المدعى عليه الأول قام خلال عام 2018 ببيع أسهم المدعين دون علمهم أو موافقتهم، مما ألحق بهم خسائر كبيرة بعد أن ارتفعت قيمة الأسهم لاحقاً، إضافة إلى اقتطاع عمولات تفوق المستحق. وقد تمسك المدعى عليهما بشرط التحكيم، فقضت محكمة أول درجة بعدم قبول الدعوى لوجود اتفاق تحكيم.

وأيدت محكمة الاستئناف رفض الدعوى بقرار صدر في غرفة المشورة بتاريخ 8 مايو 2024. فطعن المدعون على الحكم بطريق النقض. وقد قبلت محكمة النقض الطعن شكلاً، واطلعت على مذكرات المدعى عليهما التي طلبا فيها رفض الطعن، وبعد المداولة أصدرت حكمها بتاريخ 8 يوليو 2024.

اتفاقات التحكيم والمرسوم رقم 34 لسنة 2021

تمحور النزاع حول ثلاثة عقود لإدارة المحافظ الاستثمارية. العقد الأول مؤرخ في 23 يناير 2018 ومبرم بين المدعي الأول والمدعى عليه الأول، وتضمن شرطاً يقضي بإحالة النزاعات – بما في ذلك ما يتعلق بصحة العقد أو الإخلال به أو إنهائه – إلى التحكيم “ووفقاً لقواعد مركز دبي المالي العالمي – محكمة لندن للتحكيم الدولي (DIFC-LCIA)”، بواسطة ثلاثة محكمين، ويكون مقر التحكيم في مركز دبي المالي العالمي، ولغة الإجراءات هي اللغة الإنجليزية.

كما أُبرم عقدان آخران لإدارة محافظ استثمارية غير تفويضية بتاريخ 7 ديسمبر 2021؛ أحدهما بين المدعي الأول والمدعى عليه الثاني، والآخر بين المدعي الثاني والمدعى عليه الثاني، وتضمنا ذات صياغة شرط التحكيم تقريباً، بالإحالة إلى التحكيم وفق قواعد الـ DIFC-LCIA، بثلاثة محكمين، ومقر التحكيم في مركز دبي المالي العالمي، وباللغة الإنجليزية.

ودفع المدعون بأن المرسوم رقم 34 لسنة 2021 قد ألغى مركز دبي المالي العالمي – محكمة لندن للتحكيم الدولي و مركز تحكيم – مركز دبي المالي العالمي، مما جعل الجهة والقواعد المشار إليها في شرط التحكيم غير قائمة، وبالتالي أصبح تنفيذ الاتفاق على التحكيم متعذراً، لا سيما بالنسبة للعقدين المبرمين بعد سريان المرسوم. وذهبوا إلى أن شروط التحكيم اللاحقة على المرسوم باطلة، وأن مقتضيات وحدة النزاع تقتضي نظر الدعوى أمام القضاء.

إلا أن المحكمة رفضت هذه الدفوع، وطبقت نص المادة (6/أ) من المرسوم رقم 34 لسنة 2021، التي تقضي بصحة اتفاقات التحكيم التي تُحيل إلى مؤسسات أُلغيت بموجب المرسوم اعتباراً من تاريخ نفاذه، مع حلول مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) محل تلك المؤسسات في إدارة المنازعات الناشئة عن تلك الاتفاقات، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. وقررت المحكمة أن الاتفاقات السابقة على المرسوم، وكذلك اللاحقة له، تظل صحيحة ونافذة، مع قيام مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) مقام المؤسسة المحددة في الشرط.

وأكدت المحكمة أن العبرة هي بإرادة الأطراف في اللجوء إلى التحكيم، أما تحديد المؤسسة فهو عنصر ثانوي طالما أن المشرّع وضع آلية قانونية واضحة للاستبدال. وشددت على أن نية الأطراف في اللجوء إلى التحكيم لا تزال قائمة، وأن المرسوم وفر الجسر الإداري اللازم لتنفيذ تلك النية من خلال تولي مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC) مهام المؤسسة السابقة.

السلطة في الاتفاق على التحكيم

تمسك الطاعنون أيضاً بأن الموقعين على العقود لا يملكون السلطة الخاصة اللازمة لإلزام الشركتين المدعيتين بشرط التحكيم، محتجين بأن مستندات الشركات لا تفوضهم صراحة في ذلك، وأن كلاً من الرئيس التنفيذي أو المدير لم يكونا مخولين بالاتفاق على التحكيم.

وعالجت المحكمة هذا الدفع بالاستناد إلى المادة (83) من القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 بشأن الشركات التجارية، مؤكدةً أنه ما لم تقيد وثيقة تأسيس الشركة أو لوائحها الداخلية سلطة المدير، فإن مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة يتمتع بكامل الصلاحيات في إدارتها وتمثيلها، بما في ذلك إبرام اتفاقات التحكيم، متى كانت صفته التمثيلية معلنة. كما أكدت المحكمة أن تقدير توافر السلطة اللازمة هو من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع، ولها سلطة واسعة في تفسير العقود وتقدير الأدلة، ولا تخضع لرقابة محكمة النقض وعليه صدر الحكم برفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه مع إلزام الطاعنين بالرسوم والمصروفات.

Next Article