نقض أبو ظبي يبطل حكم تحكيم لمخالفته النظام العام (4/10)

February 19, 2026 (Edited) English

مفهوم النظام العام يعد من المفاهيم المتغيرة غير الثابتة، بل من المفاهيم الواسعة التي قد لا تجد تفسيراً ثابتاً واضحاً، فما يعد مخالفاً للنظام العام في دولة معينة قد لا يكون كذلك في دولة أخرى. وما يعد مخالفاً للنظام العام في دولة ما، (النظام العام المحلي)، فليس بالضرورة أن يكون مخالفاً للنظام العام الدولي.

وفي العموم، فإن المناط في تحديد مخالفة النظام العام يخضع لسلطة ورقابة قضاء الدولة التي تبسط رقابتها وتحدد الضابطة أو المعيار الذي من خلاله تنتهي إلى مخالفة النظام العام والآداب من عدمه.

الجدير بالذكر أن مفهوم مخالفة النظام العام قد ينال الإجراءات تارةً كمخالفة قاعدة آمرة مرتبطة بإجراء واجب الاتباع بحيث لو أهمل اتخاذ مثل هذا الإجراء عد الأمر مخالفاً للنظام العام، كإهمال هيئة التحكيم، على سبيل المثال، في تحليف الشهود اليمين إذا كان قانون المقر القانوني للتحكيم يعتبر هذا الإجراء من قبيل القواعد الآمرة التي لو تم مخالفتها أعتبر ذلك مخالفاً للنظام العام في تلك الدولة.

وقد يرد مفهوم مخالفة النظام العام لينال موضوع النزاع برمته كأن يكون موضوع العقد مخالفاً للنظام العام في الدولة التي يراد فيها تنفيذ حكم التحكيم أو جزء جوهري منه، كأن يتعلق الموضوع بتوزيع وعرض أفلام مخالفة للآداب في الدولة المطلوب فيها تنفيذ الحكم، أو كأن يتعلق العقد بإنشاء دور لممارسة أعمال أو نشاطات مخالفة للآداب العامة في الدولة المطلوب فيها تنفيذ الحكم، أو كأن يكون موضوع النزاع غير قابل للتسوية إلا عن طريق القضاء كالإفلاس والقضايا الجزائية والأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية.
وفي هذا السياق، أصدرت محكمة نقض أبوظبي حكماً  قضت فيه بإبطال حكم تحكيم كان قد فصل في موضوع يخرج عن اختصاص هيئة التحكيم وينعقد الاختصاص بنظر النزاع إلى محكمة الإفلاس حصراً والتي كانت قد فصلت في موضوع النزاع بالفعل وحاز حكمها الحجية التي تمنع هيئة التحكيم من إعادة نظر ذات النزاع مرة أخرى. وقد جاء في حيثيات الحكم المنوه عنه ما يلي:

“وقد جاء حكم التحكيم المطعون ببطلانه مخالفًا لنص المادة 156/1 من قانون إعادة التنظيم المالي والإفلاس سالف الذكر والتي حظرت بعد صدور قرار إشهار الإفلاس رفع الدعوى على المدين أو السير فيها، وهي قاعدة آمرة تتعلق بالنظام العام لكونها منظمة لحق التقاضي الممنوح للأطراف وكيفية عرض النزاع على المحكمة والإجراءات الواجب على الخصوم اتباعها في سبيل ذلك، ذلك أن النظام العام هو أحد الضوابط الأساسية الأولى بالاحترام في كافة التصرفات والأحكام لتعلقه بالمصلحة العليا للمجتمع وبالأسس الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الأخلاقية التي تقوم عليها الدولة، وبصدور حكم إشهار الإفلاس يستتبع قانوناً غل يد المفلس عن إدارة أمواله فلا يصبح له مباشرة الدعاوى المتعلقة بتلك الأموال حتى لا تضار جماعة الدائنين من نشاطه القانوني فيما يمسهم من حقوق، إلا أن يكون ما يمارسه المفلس من نواحي هذا النشاط مقصورًا على نطاق الإجراءات التحفظية التي قد تفيد دائنيه، ولا ضرر منها على حقوقهم أو تتعلق بأموال لم يشملها غل يده عنها فيصح مباشرته لها، وفي المقابل لا يجوز لأي من الدائنين مباشرة الإجراءات الانفرادية بإقامة دعاوى منفردة على المفلس للحصول على ميزة له بعيدًا عن جماعة الدائنين بالمخالفة لنظام الإفلاس القائم على التصفية الجماعية، والعلة من ذلك ألا يتسابق الدائنون نحو التنفيذ على أموال المفلس فيتقدم بعضهم على البعض الآخر دون وجه حق، ويستمر هذا الوقف حتى انتهاء حالة الإفلاس وتصفيه أموال المفلس، وهو ما يوصم حكم التحكيم بمخالفة النظام العام الذي وضعه القانون إعادة التنظيم المالي والإفلاس للتصفية الجماعية لأموال المفلس وللاختصاص الولائي لمحكمة الإفلاس وهو ما كان يتعين أن تتصدى له المحكمة التي تنظر دعوى بطلان حكم التحكيم من تلقاء نفسها، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض طلب الطاعنة بطلان حكم التحكيم على الرغم من ثبوت بطلانه لمخالفته للنظام العام بما يعيبه ويوجب نقضه.

 الخلاصة:

في ضوء حكم محكمة نقض أبوظبي، يؤكد هذا الحكم أن القضاء الإماراتي لن يتردد في إبطال حكم التحكيم إذا ما تجاوزت هيئة التحكيم إلى مسائل يختص بها القانون حصراً للمحاكم الدولة — وعلى الأخص دعاوى الإفلاس. فقد اعتبرت المحكمة أن المادة 156(1) من قانون الإفلاس وإعادة الهيكلة تمثل قاعدة آمرة متعلقة بالنظام العام، وأكدت من خلالها مبدئين رئيسيين: (i) الطبيعة الجماعية للإفلاس، التي تمنع المطالبات الفردية أو اللجوء إلى آليات تسوية منازعات موازية بعد إعلان الإفلاس؛ و(ii) وجوب احترام أوامر الوقف القضائي التي تكفل حماية الدائنين والحفاظ على وحدة الذمة المالية. وبناءً عليه، فإن أي حكم تحكيم يصدر بالمخالفة لتلك القواعد يُقضى ببطلانه، حتى لو كان الأطراف قد اتفقوا مسبقاً على التحكيم، الأمر الذي يعيد التأكيد على سمو النظام العام على مبدأ سلطان الإرادة.


[1]  في الطعن رقم 1154/2024 تجاري بتاريخ 16/12/2024   “بمجرد صدور حكم بإشهار الإفلاس بحق المدين، تُصبح كافة المنازعات المتعلقة بديونه خاضعة لاختصاص محكمة الإفلاس حصراً، بما في ذلك النزاعات التي كانت خاضعة مسبقاً لاتفاقات التحكيم، ويترتب على ذلك سقوط شرط التحكيم وعدم جواز اللجوء إلى التحكيم بشأنها، ويُعدّ استمرار إجراءات التحكيم رغم صدور حكم الإفلاس مخالفاً للنظام العام ويوجب بطلان حكم التحكيم الصادر في هذا الشأن، وذلك احتراماً لمبدأ وحدة التفليسة واختصاص محكمة الإفلاس الولائي والحصري.”

Next Article