المحكمة الاتحادية العليا تؤكد اختصاص المحاكم في مسائل حفظ الأدلة على الرغم من وجود شروط التحكيم (الحكم رقم 262 لسنة 2025) (6/10)

February 18, 2026 (Edited) English

مقدمة

أرست المحكمة الاتحادية العليا، في حكمها الصادر بتاريخ 13 مايو 2025 في الطعن رقم 262 لسنة 2025 تجاري، مبدأً قضائياً يتعلق بعلاقة شرط التحكيم باختصاص المحاكم بنظر الدعاوى المستعجلة للحفاظ على الأدلة كدعاوي إثبات الحالة مثلاً.

إذ قررت المحكمة أن دعوى إثبات الحالة تُعد بطبيعتها دعوى تحفظية تدخل في نطاق الولاية العامة والاختصاص الأصيل للمحاكم، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. حيث يجوز لهيئة التحكيم بناءً على طلب أي من الأطراف أو من تلقاء نفسها أن تأمر أياً منهم باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع وذلك وفقاً للمادة (21) من القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 بشأن التحكيم.

وأكدت المحكمة أن خلو شرط التحكيم من نص صريح يُسند للمحكمين سلطة اتخاذ الإجراءات التحفظية أو المستعجلة لا يحول دون لجوء الخصوم إلى المحاكم المختصة. وبناءً عليه، نقضت المحكمة الأحكام الصادرة من درجتي التقاضي الأدنى لخطئها في تطبيق القانون – وأقرت اختصاص محكمة أول درجة.

خلفية النزاع

نشأ النزاع عن عقد إيجار بحري قام بموجبه المدعي باستئجار سفينة لنقل البضائع وعند وصول السفينة إلى ميناء التفريغ، امتنعت سلطات الميناء عن السماح بتفريغ الحمولة لعدم توافر شروط الأمن والسلامة، مما ترتب عليه إلغاء عقد بيع الشحنة وتكبد المدعي أضراراً مالية جسيمة.

ونظراً لخطر ضياع معالم الوقائع المادية المتعلقة بحالة السفينة، أقام المدعي دعوى إثبات حالة بطلب ندب خبير بحري لمعاينة السفينة وبيان مدى توافر شروط السلامة بها، والتحقق من أوجه الإخلال بالعقد، وحصر الأضرار. وقد أُقيمت الدعوى بصفتها دعوى تحفظية مجردة، دون توجيه أي طلبات تتعلق بأصل الحق أو الموضوع.

التسلسل الإجرائي وحكم المحكمة العليا

قضت محكمة أول درجة بعدم قبول الدعوى تأسيساً على وجود شرط التحكيم، وأيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم. إلا أن المحكمة الاتحادية العليا نقضت الحكم المطعون فيه، وقررت أن الحكم مخالف لصحيح القانون.

وخلصت المحكمة إلى أن الدعوى قُدِّمت على أنها دعوى إثبات حالة ذات طبيعة تحفظية، بما لا يسوغ معه الدفع بشرط التحكيم. وبناءً عليه، قضت بإلغاء الحكم المستأنف، وباختصاص محكمة أول درجة بنظر الدعوى، وإعادته إليها عملاً بالمادة (168) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 بشأن الإجراءات المدنية.

أسانيد الحكم

تركزت أسانيد المحكمة العليا على التكييف القانوني الصحيح للدعوى لتحديد الاختصاص القضائي. وأكدت المحكمة على المبدأ القاضي بأن طبيعة الدعوى واختصاص المحكمة يتحددان بناءً على الطلبات الختامية للمدعي. وبما أن طلب المدعي اقتصر على ندب خبير لتوثيق وحفظ الوقائع، فقد تم تكييف الدعوى على أنها إجراء تحفظي وليست نزاعًا موضوعيًا. فدعوى إثبات الحالة هي إجراء تحفظي يهدف إلى توثيق وقائع مادية يُخشى زوالها، مما يضمن إمكانية الاستناد إليها لاحقًا عند نظر النزاع الموضوعي أمام القضاء أو هيئة التحكيم.
كما أوضح الحكم أن الاختصاص العام للمحاكم بشأن الإجراءات المؤقتة والتحفظية تظل قائمًة ما لم يُسنَد هذا الاختصاص صراحةً إلى العقد أو اتفاق تحكيم خاص إلى هيئة التحكيم.

فالاتفاق العام على التحكيم في المنازعات المتعلقة بتفسير العقد أو تنفيذه أو فسخه لا يجرّد المحاكم، بحد ذاته، من سلطتها في إصدار أوامر تحفظية. وفي هذه الحالة، لم يتضمن شرط التحكيم أي تفويض للهيئة بشأن التدابير المؤقتة أو المستعجلة، مما دفع المحكمة إلى استنتاج أن محكمة أول درجة كانت مختصة بنظر الدعوى.

خاتمة

يُرسخ الحكم مبدأً قضائياً واضحاً مفاده أن شرط التحكيم لا يجوز التوسع في تفسيره بما يؤدي إلى إقصاء الاختصاص الأصيل للمحاكم في الدعاوى التحفظية. ويؤكد الحكم دور القضاء في حماية الأدلة وصيانتها إلى حين الفصل في النزاع الموضوعي، سواء أمام القضاء أو التحكيم.

Next Article