التطور التشريعي في تنظيم زراعة الأعضاء غير البشرية – تحليل التعديلات الواردة في المرسوم بقانون الاتحادي رقم (15) لسنة 2025

February 18, 2026 (Edited) English
الكتّاب
Mohamed Al Marzouqi

Partner,
Head of Office – Abu Dhabi,
Co Head of Dispute Resolution

m.almarzouqi@tamimi.com View LinkedIn Profile

صدر بتاريخ 1/10/2025 المرسوم بقانون الاتحادي رقم (15) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون الاتحادي رقم (25) لسنة 2023 في شأن التبرع وزراعة الأعضاء البشرية والأنسجة (ويشار إليه بـ”المرسوم بالقانون“) ويُعمل بهذا التعديل اعتباراً من 1 يناير 2026، مما يعد تطوراً تشريعياً ومواكبة إيجابية للتطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة في مجال زراعة الاعضاء، ويأتي هذا التعديل متوافقا مع أهداف المرسوم بقانون المتمثل في تطبيق الحلول المبتكرة في استئصال ونقل وزراعة الأعضاء البشرية والأنسجة.

وشمل التعديل بشكل جوهري تعديلات في المادة (18) والمادة (25) من المرسوم بقانون، وذلك لتنظيم مجال جديد ومتطور يتعلق بالأعضاء والأنسجة غير البشرية وفقا للآتي:

أولاً: تعديل عنوان المرسوم بقانون:

تقرر بموجب التعديل ان يكون العنوان الجديد للمرسوم بقانون كالآتي: (في شأن التبرع وزراعة الأعضاء والانسجة)، بدلا من العنوان السابق وهو: (في شأن التبرع وزراعة الأعضاء البشرية والانسجة)، والغاية من هذا التعديل هو التوافق مع التعديلات الجوهرية التي ورد في المواد القانونية، كما سوف يأتي تفصيلاً.

كما سوف يترتب على هذا التعديل، تعديل بعض المسميات الحالية مثل: “المركز الوطني للتبرع وزراعة الأعضاء البشرية والانسجة”، ليصبح مسماه: “المركز الوطني للتبرع وزراعة الأعضاء والانسجة”.

ثانياً: التعديلات الجوهرية على المادة (18)

التحول من تنظيم محدود إلى تنظيم شامل

النص القديم: الصادر في 2003

كانت المادة (18) في القانون تحمل عنوان “الأنسجة غير البشرية”، وكانت تقتصر على تنظيم استئصال ونقل الأنسجة غير البشرية فقط، مع اشتراط مراعاة ضوابط محدودة تشمل: تأكد الطبيب المختص من أن زراعة النسيج غير البشري هي الوسيلة الأفضل لعلاج المريض، والتحقق من سلامة النسيج غير البشري المراد نقله ومصدره وخلوه من الأمراض، والتحقق من ملاءمة النسيج غير البشري مع جسم المريض، وتبصير المريض بكافة النتائج الصحية المحتملة والمؤكدة.

النص الجديد: الصادر في 2025

استُبدل عنوان المادة (18) ليصبح “الأعضاء غير البشرية والأنسجة غير البشرية”، مما يعكس توسعاً كبيراً في نطاق التنظيم القانوني. فقد عرّف التعديل العضو غير البشري بأنه مجموعة من الأنسجة غير البشرية أو التراكيب التي تؤدي وظيفة معينة أو عدة وظائف عند زراعتها في جسم الإنسان، وقسمه إلى فئتين رئيسيتين:

أ. العضو الحيواني:

حيث عرّفه التعديل بأنه العضو أو النسيج المأخوذ من كائن حي حيواني سواء أُنتج طبيعياً أو تم تعديله وراثياً أو استزراعه بيولوجياً، ويُزرع لأغراض علاجية في جسم الإنسان. هذا التعريف يشمل نطاقاً واسعاً من الأعضاء الحيوانية، بما في ذلك تلك التي تخضع للتعديل الوراثي أو الاستزراع البيولوجي، مما يعكس انفتاحا على التقنيات الحديثة في مجال زراعة الأعضاء عبر الأنواع (Xenotransplantation).

ب. العضو المُصنَّع:

كما عرّف التعديل العضو المصنع، بأنه تركيب صناعي يُنتج باستخدام تقنيات مثل الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، أو الهندسة النسيجية، أو غيرها من التقنيات المتقدمة المعتمدة من الوزارة أو الجهة الصحية، ليؤدي وظيفة حيوية في جسم الإنسان، دون أن يكون مشتقاً أو مصنّعاً من أنسجة بشرية أو حيوانية حيّة. هذا التعريف يمثل نقلة نوعية في التشريع الإماراتي، حيث يعترف بالأعضاء المُصنَّعة كخيار علاجي مستقل، مما يفتح الباب أمام استخدام التقنيات الحديثة مثل الطباعة الحيوية والهندسة النسيجية.

الشروط والضوابط المشددة

أجاز التعديل نقل وزراعة الأعضاء غير البشرية والأنسجة غير البشرية في جسم الإنسان، وفقاً للشروط والضوابط التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء، مع مراعاة مجموعة من الضوابط الجوهرية التي تشمل:

أ. الضوابط الطبية، وتشمل الآتي:

  • اشترط التعديل أن تكون زراعة العضو غير البشري أو النسيج غير البشري هي الوسيلة الأنسب لعلاج المريض، وعلى الطبيب المختص التأكد من ذلك.
  • كما اشترط أن تكون الأعضاء غير البشرية والأنسجة غير البشرية المستخدمة في الزراعة قد خضعت لجميع الاختبارات السريرية والمخبرية المعتمدة، وأثبتت فعاليتها الطبية وسلامتها البيولوجية وفقاً للمعايير المعتمدة لدى الوزارة.
  • ألزم المشرع المنشأة الصحية المرخصة والطبيب المختص بالتحقق من سلامة العضو غير البشري أو النسيج غير البشري المراد نقله ومصدره وخلوه من الأمراض التي قد تهدد حياة المريض أو الصحة العامة، طبقاً للمعايير العلمية المعتمدة من الوزارة، واستيفاء كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذه العملية.
  • ألزم المشرع المنشأة الصحية المرخصة والطبيب المختص بالتحقق من التوافق الحيوي بين العضو غير البشري أو النسيج غير البشري وجسم المريض بناءً على المعايير العلمية المعتمدة من الوزارة والطبية المتعارف عليها، وذلك قبل إجراء الزراعة.

ب. ضوابط الترخيص، وتشمل الآتي:

  • حظر استئصال أي عضو حيواني لغايات نقله وزراعته أو زراعته دون الحصول على ترخيص من الوزارة أو الجهة الصحية (وهي الجهة الحكومية المحلية المعنية بتنظيم الشؤون الصحية).
  • الحصول المنشأة الصحية على ترخيص من الجهة الصحية قبل استخدام أي عضو غير بشري في الزراعة، على أن يتضمن الترخيص بياناً بنوع العضو غير البشري ومصدره.
  • الحصول الجهة المُصنّعة للعضو غير البشري أو النسيج غير البشري على ترخيص من الجهة الصحية وموافقة من الجهات المعنية في الدولة.
  • حظر زراعة عضو غير بشري أو نسيج غير بشري إلا من خلال طبيب مختص مرخص بذلك.

ج. ضوابط السلامة البيولوجية:

بموجب التعديل، فإن يُحظر استخدام أعضاء غير بشرية أو أنسجة غير بشرية مصدرها أنواع حيوانية غير معتمدة طبياً أو خضعت لتعديلات وراثية أو معالجة بيولوجية غير مصرّح بها من الوزارة أو الجهة الصحية.

د. ضوابط الموافقة المستنيرة:

فقد نص التعديل على ألزم الطبيب المختص بتبصير المريض أو من يمثله قانوناً قبل زراعة العضو غير البشري أو النسيج غير البشري بكافة النتائج الصحية المحتملة والمؤكدة التي قد تترتب على الزراعة، والحصول على موافقة كتابية من المريض أو من يمثله قانوناً بإجراء الزراعة وفق النموذج المعتمد من المركز الوطني.

هـ. موافقة اللجنة الخاصة:

كما اشترط التعديل لاستكمال إجراءات التبرع وزراعة الأعضاء والانسجة، صدور موافقة من لجنة خاصة يصدر بتشكيلها ونظام عملها قرار من الوزير أو رئيس الجهة الصحية، بحسب الأحوال، بعد التنسيق مع المركز الوطني المعني بالتبرع وزراعة الأعضاء والانسجة.

 الرعاية الصحية والمتابعة

  • ألزم التعديل المنشأة الصحية المرخصة بتقديم الرعاية الصحية الكاملة للمنقول إليه قبل وأثناء وبعد زراعة العضو غير البشري أو جزء منه أو النسيج غير البشري، ويشمل ذلك جميع الفحوصات والعلاجات اللازمة بعد إجراء الزراعة.
  • ألزم التعديل الجهات الصحية وغيرها من الجهات المعنية بتنظيم الشؤون الصحية في الدولة، بإجراء تفتيش دوري على المنشآت الصحية والجهات المُصنّعة.

 قاعدة البيانات الوطنية

  • بموجب التعديل سوف يتم إنشاء قاعدة بيانات وطنية في المركز الوطني، يُقيد فيها كل عضو غير بشري يُستخدم في الزراعة، وتتضمن القاعدة فيما يتعلق بالعضو المُصنَّع البيانات المتعلقة بالجهة المصنعة، التركيب الحيوي، نتائج التجارب السريرية، وغيرها من البيانات التي يُحددها المركز الوطني.
  • ألزم التعديل المركز الوطني بتوثيق كافة مراحل إجراء الزراعة في قاعدة البيانات، ورصد الآثار المحتملة وتقييم فاعلية وسلامة هذا النوع من الزراعة، ومراجعة وتقييم نتائج العمليات والتقارير الطبية.

تنظيم النقل والأدلة الإجرائية

  • أناط المشرع بمجلس الوزراء، بناءً على عرض وزير الصحة ووقاية المجتمع وبعد التنسيق مع الجهات الصحية وغيرها من الجهات المعنية، تحديد الضوابط الجوهرية المنظمة لنقل الأعضاء غير البشرية وأجزائها والأنسجة غير البشرية فيما بين المنشآت الصحية داخل الدولة، وبالإضافة الى تحديد ضوابط وإجراءات نقل الأعضاء وأجزائها والأنسجة من وإلى الدولة.
  • ألزم التعديل الوزارة بعد التنسيق مع الجهات الصحية وغيرها من الجهات المعنية بإصدار الأدلة الإجرائية والنماذج الفنية اللازمة لتنفيذ أحكام هذه المادة، وتحديثها بشكل دوري بما يتماشى مع المستجدات الطبية والعلمية.

ثالثاً: التعديلات على المادة (25) – العقوبات

النص القديم (2023):

كانت المادة (25) في المرسوم بقانون تنص على معاقبة بالسجن والغرامة التي لا تقل عن (100,000) مائة ألف درهم ولا تزيد على (2,000,000) مليوني درهم، لثلاث فئات فقط:

  • كل من قام بإنشاء أو تشغيل منشأة صحية خاصة لاستئصال أو زراعة الأعضاء البشرية والأنسجة دون الحصول على ترخيص،
  • الطبيب الذي قام بإجراء عمليات استئصال أو زراعة الأعضاء البشرية والأنسجة دون الحصول على ترخيص،
  • كل من استأصل عضواً أو جزءاً منه أو نسيجاً بشرياً أو أكثر من جسم شخص حيّ دون مراعاة أحكام المادة (7).

النص الجديد (2025):

أضاف المشرع فقرة رابعة إلى المادة (25) تنص على معاقبة كل من خالف أحكام البند (2) من المادة (18) من هذا المرسوم بقانون بالسجن والغرامة التي لا تقل عن (100,000) مائة ألف درهم ولا تزيد على (2,000,000) مليوني درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

تجدر الإشارة إلى أن إضافة عبارة “أو بإحدى هاتين العقوبتين” في النص الجديد، تمنح القاضي سلطة تقديرية أوسع في اختيار العقوبة المناسبة بين السجن والغرامة أو الجمع بينهما.

الكتّاب
Mohamed Al Marzouqi

Partner,
Head of Office – Abu Dhabi,
Co Head of Dispute Resolution

m.almarzouqi@tamimi.com View LinkedIn Profile
أجاز التعديل نقل وزراعة الأعضاء غير البشرية والأنسجة غير البشرية في جسم الإنسان، وفقاً للشروط والضوابط.

رابعاً: النتائج المترتبة على التعديلات

  • مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، حيث يعكس التعديل مواكبة المنظومة التشريعية لأحدث التطورات في مجال الطب الحديث، خاصة في مجال الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد والهندسة النسيجية وزراعة الأعضاء عبر الأنواع، مما يتماشى مع هدف المرسوم بقانون المتمثل في تطبيق الحلول المبتكرة ذات الصلة.
  • توسيع نطاق الخيارات العلاجية والحد من الانتظار، حيث أصبح بإمكان المرضى الاستفادة من ثلاثة أنواع من الزراعة: الأعضاء البشرية، والأعضاء الحيوانية، والأعضاء المُصنَّعة، مما يزيد من فرص العلاج والشفاء، كما أن استخدام الأعضاء غير البشرية سوف يقلل من قوائم انتظار الأعضاء البشرية، خاصة للحالات الحرجة.
  • تعزيز السلامة والرقابة، وذلك من خلال فرض شروط وضوابط صارمة، لضمان أعلى معايير السلامة للمرضى والصحة العامة. فالاشتراطات المتعلقة بالترخيص والاختبارات السريرية والمخبرية والتوافق الحيوي تهدف إلى منع استخدام أعضاء أو أنسجة غير آمنة أو غير فعالة.
  • تحقيق حماية للمرضى من المخاطر ذات صلة، وذلك من خلال إلزام الأطباء بتبصير المرضى بكافة النتائج المحتملة والحصول على موافقة كتابية يضمن حماية حقوق المرضى، واشتراط خضوع الأعضاء للاختبارات السريرية والمخبرية والتحقق من التوافق الحيوي يضمن سلامة المرضى، بالإضافة الى إلزام المنشآت الصحية بتقديم الرعاية الصحية الكاملة قبل وأثناء وبعد الزراعة يضمن متابعة شاملة للمرضى.
  • إنشاء نظام شامل للمتابعة والتقييم، وذلك من خلال إنشاء قاعدة بيانات وطنية وإلزام المركز الوطني بتوثيق ومتابعة جميع عمليات الزراعة وتقييم نتائجها، بناء قاعدة معرفية وطنية تساعد في تطوير هذا المجال وتحسين النتائج العلاجية.
  • الردع القانوني وتوسيع نطاق التجريم، حيث أصبح مخالفة أحكام البند (2) من المادة (18) المتعلقة بالأعضاء والأنسجة غير البشرية جريمة يعاقب عليها القانون، مما يعد عقوبة صارمة على مخالفة ضوابط استخدام الأعضاء والأنسجة غير البشرية، لضمان الالتزام الكامل بالمعايير والضوابط المنصوص عليها، وحماية المرضى من الممارسات غير الآمنة.
  • تشجيع البحث والتطوير، حيث يوفر التعديل إطاراً قانونياً واضحاً يشجع الشركات والمراكز البحثية على الاستثمار في تطوير تقنيات الطباعة الحيوية والهندسة النسيجية.
  • إنشاء منظومة ترخيص شاملة، تشمل المنشآت الصحية، والجهات المُصنّعة، والأطباء المختصين، ومصادر الأعضاء الحيوانية.
  • تعزيز دور الجهات الرقابية، حيث يلزم التعديل الجهات الصحية بإجراء تفتيش دوري على المنشآت الصحية والجهات المُصنّعة، مما يعزز دور الرقابة والتفتيش.
  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية متخصص، حيث يتطلب التعديل إنشاء وإدارة قاعدة بيانات وطنية شاملة لتسجيل ومتابعة جميع عمليات زراعة الأعضاء غير البشرية.
  • من الناحية الاقتصاد، فإن التعديل يوفر إطاراً قانونياً قد يجذب الشركات العالمية المتخصصة في تصنيع الأعضاء والأنسجة غير البشرية للاستثمار في الدولة، فضلا عن فرض تطوير صناعة محلي، فمن الممكن أن يشجع التعديل على تطوير صناعة محلية في مجال الطباعة الحيوية والهندسة النسيجية.

خامساً: التوصيات

  • إصدار اللائحة التنفيذية والقرارات التنفيذية ذات الصلة بشكل عاجل لضمان سهولة التطبيق.
  • وضع معايير واضحة للاختبارات السريرية والمخبرية وتحديد الأنواع الحيوانية المعتمدة والتعديلات الوراثية المسموح بها من خلال القرارات التنفيذية المفترض صدورها من الجهات المعنية بالقطاع الصحي في الدولة.
  • إنشاء لجان متخصصة لتقييم طلبات الترخيص وفقا للتشريعات ذات الصلة.
  • تطوير نظام إلكتروني متكامل لقاعدة البيانات الوطنية يتوافق مع السياسة الرقمية في الدولة.
  • تدريب الأطباء والكوادر الطبية على التقنيات الجديدة ووضع بروتوكولات علاجية موحدة لضمان سلامة المرضى.
  • إطلاق حملات توعية شاملة لتثقيف المجتمع وتعزيز التعاون مع الجهات المعنية بتطبيق القانون بما فيها الدينية، لتوضيح الجوانب الشرعية ذات الصلة.

Next Article