Senior Knowledge Translator
لا تَنظر المملكة العربية السعودية إلى الأزمة الإقليمية الراهنة بوصفها سبباً للتريّث، وإنما تَتعامل معها بوصفها محفّزاً للتحرّك. فالمملكة تَمضي بخُطى متسارعة لتَرسيخ موقعها قوّةً كبرى في قطاعَي الطاقة والخدمات اللوجستية – وتداعيات ذلك على بيئة الاستثمار بالغة الأهمية.
في ظلّ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، فعّلت المملكة العربية السعودية خطّ الأنابيب الشرقي-الغربي للنفط الخام (بترولاين) بكامل طاقته. ويَمتدّ الخطّ مسافة 1,200 كيلومتر تقريباً، من مركز معالجة بقيق في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث يَضخّ حالياً نحو 7 ملايين برميل يومياً. ومن هذه الكمية، تَتَّجه نحو مليونَي برميل يومياً إلى تغذية المصافي المحلية قرب ينبع وجازان، فيما بَلَغت صادرات النفط الخام عبر ينبع نحو 5 ملايين برميل يومياً، إلى جانب 700 إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات المُكرَّرة التي تُشحَن أيضاً من البحر الأحمر.
والمملكة ليست وحدها في تنويع مسارات التصدير. فخطّ أنابيب أبوظبي للنفط الخام (أدكوب) يَمتدّ مسافة 380 كيلومتراً من حبشان إلى الفجيرة على خليج عُمان، بطاقة استيعابية تَبلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً. أمّا خطّ أنابيب العراق-تركيا، الذي يَنقل النفط من كركوك إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط، فطاقته الاستيعابية 1.6 مليون برميل يومياً، وإن كان لا يَنقل حالياً سوى نحو 200 ألف برميل. ومُجتمعةً، تُتيح هذه الخطوط الثلاثة طاقة استيعابية تُقارب 9 ملايين برميل يومياً -وهو هامش أمان جوهري في وجه أيّ اضطراب إضافي.
والخلاصة بالنسبة للمستثمرين: المملكة العربية السعودية لم تَعُد مجرّد مُنتِج للهيدروكربونات، بل غدت تَنشط في إعادة هندسة المسارات المادية التي تَتحرّك عبرها الطاقة والسلع في المنطقة. وقدرتها على التحرّك السريع لتَفعيل البنية التحتية الاحتياطية وتحويل وجهة الصادرات في ظلّ ظروف الأزمات تُمثّل ميزة بنيوية تُميّزها عن سائر الدول المُنتِجة الكبرى.
تُرسّخ المملكة دورها بوصفها أكبر مُصدِّر للنفط الخام في العالم، وتَبني في الوقت ذاته منصّة واسعة النطاق للطاقة النظيفة في إطار رؤية 2030. والهدف المُعلَن: 130 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة بحلول عام 2030؛ منها أكثر من 12 جيجاواط قيد التشغيل فعلياً، وعشرات الجيجاواط الأخرى بعضها مُتعاقَد عليه وبعضها الآخر في طور المزاد. وتَبرز ضمن المشاريع الرائدة محطّتا سدير والشعيبة للطاقة الشمسية، ومشروع نيوم للهيدروجين الأخضر بقيمة 8 مليارات دولار، الذي يُتوقَّع أن يُنتِج نحو 600 طنّ من الهيدروجين الأخضر يومياً، ويَبدأ تصدير الأمونيا الخضراء اعتباراً من عام 2027.
شَهِد أداء الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة تَحسّناً جوهرياً منذ إطلاق رؤية 2030. ووفقاً للهيئة العامة للإحصاء (GASTAT)، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 24 بالمئة في عام 2024 لتَبلغ 119.2 مليار ريال سعودي (نحو 31.7 مليار دولار) – وهو رقم مُعدَّل أعلى بنسبة 37 بالمئة من التقديرات الأولية – مُتجاوزةً بذلك الهدف السنوي للاستراتيجية الوطنية للاستثمار البالغ 109 مليارات ريال للسنة الرابعة على التوالي. وبحلول منتصف عام 2025، بَلَغ مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر نَيِّفاً وتريليون ريال، وبَلَغ إجمالي الاستثمار الأجنبي (بما فيه استثمارات المحافظ والاستثمارات الأخرى) نحو 3.05 تريليون ريال، بارتفاع سنوي قَدْره 17 بالمئة.
وقد استمرّ هذا الزخم خلال عام 2025. فقد بَلَغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 22.2 مليار ريال في الربع الأول (بارتفاع سنوي قَدْره 44 بالمئة)، و22.8 مليار ريال في الربع الثاني، و24.9 مليار ريال في الربع الثالث – مُستقرّةً ضمن نطاق 23–25 مليار ريال للربع الواحد رغم تَشدُّد الأوضاع المالية العالمية. أمّا في الربع الرابع، فقد تَضاعفت التدفقات تقريباً لتَبلغ 48.4 مليار ريال، بقفزة سنوية قَدْرها 90 بالمئة وقفزة فصلية قَدْرها 82 بالمئة، مُؤشِّرةً بذلك إلى تحوّل نوعيّ في إقبال المستثمرين.
ومن حيث القطاعات، لا تزال الصناعة التحويلية تَستقطب الحصة الكبرى من الاستثمار الأجنبي المباشر، مع تنامي إسهام تجارة الجملة والتجزئة، والتشييد، والخدمات المالية، والسياحة، والتكنولوجيا – بما يَعكس أولويات التنويع في رؤية 2030. وتَظلّ دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز مصادر التدفقات، فيما اتَّسع نطاق الاستثمارات الواردة من الولايات المتحدة وأوروبا والأسواق الآسيوية الرئيسية، مدعومةً بالإصلاحات التنظيمية والحوافز القطاعية المُستهدَفة.
وتَستهدف الاستراتيجية الوطنية للاستثمار صافي تدفقات سنوية للاستثمار الأجنبي المباشر تُقارب 388 مليار ريال بحلول عام 2030، مقابل نحو 17 إلى 20 مليار ريال في عام 2019، وذلك إلى جانب هدف أوسع لرفع إجمالي الاستثمار إلى 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع أنّ التدفقات الراهنة لا تزال دون هذا المستوى المُستهدَف، فإنّ تَصاعُد التدفقات الفصلية، وتَزايُد عدد الصفقات الكبرى، واتّساع التغطية القطاعية، كلّها مؤشّرات على أنّ الأسس البنيوية تُرسى تباعاً. ويَأتي تعيين وزير الاستثمار الجديد في فبراير 2026 – المُختار من قيادات صندوق الاستثمارات العامة – تأكيداً على استمرار الأولوية المُعطاة لتنسيق السياسات والتنظيم ورأس المال السيادي، تسريعاً لهذا المسار.
وبالنسبة للمستثمرين في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والصناعة، تُقدّم المملكة العربية السعودية فرصة استثمارية تَتجاوز الانكشاف التقليدي على أسعار النفط بكثير. فهي تَجمع بين تحصين البنية التحتية للتصدير، وبناء قدرات الطاقة النظيفة على نطاق واسع، وتسريع الإصلاح التنظيمي.
تَستند هذه الرواية الاستثمارية إلى تحوّل قانوني أعمق. فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، حدّثت المملكة العربية السعودية تشريعاتها الأساسية الخاصة بالشركات والمعاملات التجارية والاستثمار بمستوى لا تُدانيه كثير من الأسواق الناشئة المنافسة. ويَجتمع نظام الشركات الجديد، ونظام المعاملات المدنية، ونظام الاستثمار المُحدَّث، وإطار الإفلاس، وإصلاحات سوق رأس المال في إنشاء منظومة أكثر شفافية وتقنيناً وقابلية للتنبؤ، أمام المستثمرين المحليين والأجانب على حدّ سواء.
وبالنسبة للمستثمرين من الشركات، يُوسّع نظام الشركات نطاق الكيانات المتاحة – بما فيها شركات المساهمة المُبسَّطة وهياكل الشركات ذات المسؤولية المحدودة الأكثر مرونة – مع تعزيز الحوكمة وحماية الأقلية ومساءلة المديرين. وتَكتسب هذه السمات أهميتها القصوى في المشاريع المشتركة المُعقَّدة والائتلافات المعتادة في المشاريع الكبرى للطاقة والهيدروجين والبنية التحتية، حيث تَستند الالتزامات الرأسمالية طويلة الأجل إلى قواعد واضحة بشأن حقوق المساهمين، وتعارُض المصالح، والخروج.
وعلى صعيد المشاريع، أَنشأت الإصلاحات القطاعية إطاراً أكثر قابلية للتمويل المصرفي لعقود الطاقة والبنية التحتية طويلة الأجل. ويَعمل نظام مشاركة القطاع الخاص ولائحته التنفيذية، إلى جانب الضوابط المحدثة للخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص، على توحيد إجراءات المشتريات ووثائق المناقصات وتوزيع المخاطر في الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجالات الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية الاجتماعية. وبالنسبة للمستثمرين والمُقرِضين، يَعني ذلك قَدراً أكبر من اليقين بشأن شروط الامتياز، وحقوق الحلول محل المتعاقد، والتعويض عن الإنهاء، والتزامات الدعم الحكومي – وهي كلّها عناصر محورية لقابلية تمويل المشاريع.
وتَتكامل هذه الإصلاحات في مجالَي الشركات والشراكات بين القطاعين العام والخاص مع بنيان أحدث لتسوية المنازعات. فقد عزّزت المملكة إنفاذ قرارات التحكيم من خلال نظام التنفيذ والمحاكم المتخصّصة، وتُطبّق إطار اتفاقية نيويورك (مع تحفّظات محدودة تَتعلق بالنظام العام والمعاملة بالمثل) على قرارات التحكيم الأجنبية. وبالنسبة للمشاريع الكبرى للطاقة والهيدروجين التي تَضمّ رُعاة ومُشترين للمنتج من خارج الحدود، فإنّ متانة نظام الشركات الداخلي، وتقنين المبادئ التعاقدية، ووضوح مسار إنفاذ التحكيم، تُقلّص بدرجة كبيرة من عدم اليقين القانوني.
ومن الناحية العملية، فإنّ السمات نفسها التي بَدَأت تَتجلّى في المناقصات الكبرى للطاقة المتجددة والهيدروجين، واتفاقيات شراء الطاقة الموحَّدة وهياكل شراء المنتج، ومسارات المشتريات الشفّافة، وآليات التظلّم والاعتراض المُقنَّنة، تُشكّل بصورة متزايدة معياراً إقليمياً لتعاقدات الطاقة. والمستثمرون المُلِمّون بمنظومات الشراكة بين القطاعين العام والخاص وإنتاج الطاقة المستقلّ المُتطوّرة في ولايات قضائية أخرى، سيَجدون درجة متنامية من التقارب في النهج السعودي، مع ميزة إضافية تَتمثّل في الحجم، والدعم السيادي، واستمرارية السياسات وثيقة الارتباط برؤية 2030.
وفي ظلّ بيئة تَتَّسم بمخاطر جيوسياسية مُرتفعة وتَحوّل في ممرات التجارة، تُمثّل هذه المتانة القانونية في حدّ ذاتها عاملاً مُميِّزاً. والميزات البنيوية ذاتها التي تَستند إليها البنية التحتية المادية للطاقة في المملكة – التعدّد الاحتياطي، والخيارية، والمرونة – تَنعكس بصورة متزايدة في الأطر التعاقدية والمؤسسية التي تَحكم نشر رأس المال.
من المنظور الضريبي، تُقدّم المملكة للمستثمرين مزيجاً يَجمع بين استقرار المعدّل المُعلَن، والحوافز المُستهدَفة، ووضوح السياسات المتنامي، بما يَضعها في موقع تنافسي أمام نظيراتها الإقليمية والأسواق الناشئة خارج مجلس التعاون الخليجي. ويُطبَّق المعدّل القياسي لضريبة دخل الشركات البالغ 20 بالمئة على المستثمرين الأجانب، فيما يَخضع المساهمون الخليجيون والسعوديون عموماً للزكاة بدلاً من ضريبة الدخل، بما يُتيح خيارية هيكلية للمشاريع المشتركة والمنصّات الإقليمية. وعلى خلاف كثير من الولايات القضائية التي تَشهد تَشدُّداً مالياً متسارعاً، ظَلّ الإطار الأساسي لضريبة الشركات في المملكة قابلاً للتنبؤ، مما يُتيح للمستثمرين نَمذجة عوائدهم طويلة الأجل بدرجة عالية من الثقة.
وفضلاً عن الحوافز، تَتطوّر البيئة الضريبية في المملكة في اتجاه يُعزّز اليقين والشفافية والمواءمة الدولية بصورة متزايدة. فقد أسهَم تحديث الإدارة الضريبية في إطار الهيئة العامة للزكاة والضريبة والجمارك (ZATCA)، ورقمنة الإقرارات، والتوجيهات الأوضح بشأن أسعار التحويل والجوهر والتزامات الاستقطاع، في تَقليص مساحات الغموض السابق. وبالنسبة للمستثمرين، فإنّ مسار التطوّر لا يَقلّ أهميةً عن الموقع الراهن. فالمملكة تُرسل إشارة واضحة بالتزامها ببيئة ضريبية مستقرّة وقائمة على القواعد وموثوقة دولياً، تَدعم أهداف رؤية 2030 في التنويع، ونقل المقرّات، وتكوين رأس المال طويل الأجل. وفي مشهدٍ عالمي تَحتلّ فيه المخاطر الضريبية وتقلّبات السياسات مكانة مركزية متنامية في حسابات الاستثمار، يُمثّل ما تَجمعه المملكة من حجم، وعمق الحوافز، وزخم الإصلاح عاملاً مُميِّزاً بحد ذاته.
تُعدّ شركة التميمي ومشاركوه أكبر شركة محاماة تجارية متكاملة الخدمات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تَضمّ أكثر من 450 من المهنيين القانونيين في 17 مكتباً موزّعةً على 10 دول، تَشمل الرياض وجدّة والخُبر.
وتُقدّم التميمي ومشاركوه دعماً متكاملاً على امتداد دورة الاستثمار كاملةً. فيُقدّم فريق الشركات في المكتب إرشاداً مُخصَّصاً وفق احتياجات العميل في تأسيس الشركات، وإعادة الهيكلة المؤسسية، وتصميم الهياكل القابضة والتشغيلية المتوافقة مع النظام السعودي، مع تحسين الكفاءة الضريبية والامتثال التنظيمي والنتائج التجارية في آنٍ واحد. ويَشمل ذلك تقديم المشورة بشأن ترخيص المقرّ الإقليمي ومتطلّبات الامتثال: من تقييم الأهلية الأوّلي وتقديم طلبات وزارة الاستثمار (MISA)، وصولاً إلى استيفاء متطلّبات الجوهر الاقتصادي، والتزامات السعودة، والتقارير الدورية لدى الهيئة العامة للزكاة والضريبة والجمارك .(ZATCA)
Senior Knowledge Translator