العراق: مشهد مؤسسي قيد التشكّل

لا تَنطبق رواية التحوّل النموذجي لما بعد الصراع على العراق في عام 2026. فهو دولةٌ ضخمة، غنيّةٌ بالموارد، ولا يزال البناء المؤسسي فيها جارياً. القوانين قائمة، والمؤسسات موجودة، والطروحات الاستثمارية مُقنعة – غير أنّ الفجوة بين النصوص والممارسة على الأرض لا تزال واسعة.

وبالنسبة للمستثمرين المعتادين على المنظومات المُحكَمة في دبي والرياض والدوحة، يبدو العراق مألوفاً وغريباً في آنٍ معاً. فالأشكال المؤسسية للشركات وفق القانون المدني، ولغة الحوكمة، والسعي إلى تطبيق معايير IFRS والشفافية – كلّها مألوفة. غير أنّ كلّ ذلك يَتشكّل في ضوء تاريخ العراق الخاصّ: عقودٌ من النزاعات والعقوبات، واقتصادٌ نفطي تَهيمن عليه الدولة، وقطاعٌ خاصّ غير رسمي ضخم تعلّم البقاء على هامش الرسمية لا داخلها.

ويبقى العراق دولةً نفطية. إذ يحوز خامس أكبر احتياطيات النفط الخام المُؤكَّدة في العالم – بنحو 145 مليار برميل – ولا تزال إيرادات النفط تُمثّل ما يزيد على تسعين بالمئة من عائدات الحكومة. ولن يَنتهي هذا الاعتماد قريباً. غير أنّ من يَكتفي بمقولة “اقتصادٌ نفطي إذن مُحفوف بالمخاطر” سيفوته التحوّل الهيكلي الجاري تحت السطح.

والعراق رابع أكبر دول الشرق الأوسط من حيث عدد السكان، يتمتّع بقاعدة سكانية شابّة وبنية تحتية تَحتاج إلى إعادة البناء في كثير من القطاعات. وهذا المزيج – التركيبة السكانية والإعمار – هو ما يُعيد العراق إلى جداول أعمال مجالس الإدارة. فإذا كنتم مجموعة مقاولات إقليمية، أو شركة خدمات الطاقة، أو مُشغّل مرافق، أو منصّة رقمية، فقد بات يصعب تبرير استراتيجية تتجاهل العراق.

وفي قطاع الإسكان وحده ما يَكشف عن الأبعاد. فقد أبرمت الحكومة عقوداً كبرى لمشاريع سكنية واسعة النطاق – تشمل عشرات الآلاف من الوحدات في بغداد – وشرعت في أعمال البناء في محافظات عدّة، تَشمل الإسكان والمدارس والمراكز التجارية والمرافق الصحية والبنى التحتية المُساندة. ويُولّد ازدهارُ البناء فرصاً مرتبطة في الخدمات اللوجستية ومواد البناء والرعاية الصحية والتعليم وتجارة التجزئة.

الأشكال المؤسسية: عناوين مألوفة بنسيجٍ مختلف

على الورق، يُقدّم العراق مجموعة أدوات مؤسسية مألوفة. فقانون الشركات يَعترف بشركات المساهمة، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وشركات التضامن، والشركات البسيطة، والمشاريع الفردية، إلى جانب فروع الشركات الأجنبية. أمّا عملياً، فيَلجأ المستثمر الأجنبي في الغالب إلى أداتَين: الشركة ذات المسؤولية المحدودة والفرع. وتُضاف إلى ذلك عادةً أنظمةٌ قطاعية خاصّة بالنفط والغاز والاتصالات والمصارف والمشاريع الكبرى.

ويَكمن قيدٌ جوهري تحت هذه الخيارات: إذ يَشترط قانون الشركات المُعدَّل أن لا تقلّ نسبة الملكية العراقية في أيّ شركة جديدة ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة عن 51%. وهو ما يَدفع كثيراً من المستثمرين الأجانب نحو خيار الفرع – لا سيّما من يَنشدون سيطرةً أحكم على القرار وتحويل الأرباح. ويُمكن اليوم تسجيل الفرع دون الحاجة إلى عقد حكومي، عقب التعديلات التنظيمية لعام 2017، وإن كانت مُدد إنجاز التسجيل لا تزال طويلة: من ستّة إلى اثنَي عشر شهراً واقعياً لتسجيل الشركة ذات المسؤولية المحدودة أو الفرع، وأطول من ذلك في الغالب عند الحاجة إلى موافقات قطاعية.

وتَجري نقاشاتٌ بشأن تعديل سقف الملكية المحلية البالغ 51% أو إلغائه. وتُشير الاتّجاهات الراهنة إلى أنّ التعديل بخفض السقف إلى 30% أقرب احتمالاً من الإلغاء الكامل، غير أنّ المسألة لا تزال قيد الدراسة.

وعملياً، تَعمل البيئة المؤسسية في العراق على مسارَين متوازيَين:

  • المسار الرسمي: التسجيل لدى وزارة التجارة، والحصول على التراخيص القطاعية، والتسجيل لأغراض الضرائب والضمان الاجتماعي، وبناء هيكلٍ قادر على اجتياز الفحص النافي للجهالة من قِبل مُقرض غربي أو مستثمر سيادي خليجي.
  • المسار غير الرسمي، حيث يَجري الجانب الأكبر من النشاط الاقتصادي فعلياً: الشركاء المحلّيون، وسلاسل المقاولة من الباطن، والشبكات الشخصية، والأعمال غير المُسجَّلة، وكثيرٌ من “هكذا اعتدنا أن نَفعل”.

ومعظم الشركات الأجنبية تَنتهي إلى الجمع بين المسارَين. فهي تُؤسّس هيكلاً رسمياً سليماً ومُمتثلاً – لأنّ حوكمتها والمُقرضين يَفرضون ذلك – ولكنّ الإنجاز يَتوقّف على التعامل مع المنظومة غير الرسمية. والفنّ هنا يَكمن في التفاعل مع هذه المنظومة دون الارتهان لممارسات لا تَصمد أمام تدقيقٍ جدّي.

إقليم كردستان: بابٌ مختلف إلى البلد ذاته

لا يَكتمل أيّ حديث جادّ عن الاستثمار في العراق دون التطرّق إلى إقليم كردستان، الذي يَعمل ضمن إطارٍ قانوني وإداري مُتميّز. فالدستور العراقي يَمنح الإقليم حقوقاً شِبه ذاتية – برلمانه ووزاراته وهيئته الاستثمارية، تَعمل جميعها باستقلالٍ عن بغداد.

والفارق الجوهري للمستثمر الأجنبي يَتعلّق بالملكية. إذ لم يُقرّ البرلمان الكردستاني سقف الملكية العراقية البالغ 51%، فلا يَزال التملّك الأجنبي بنسبة 100% جائزاً. كما يَعمل الإقليم في إطار قانون الاستثمار الخاصّ به الصادر عام 2006، الذي يُقدّم حوافز تَشمل التملّك العقاري الكامل، وتحويل رأس المال، وإعفاءاتٍ ضريبية لعشر سنوات، وإعفاءاتٍ من رسوم الاستيراد. ومنذ عام 2023، أصدر مجلس استثمار كردستان ما يزيد على 450 إجازة استثمار، ويَعمل في الإقليم حالياً أكثر من 3,600 شركة أجنبية.

ومع ذلك، فإقليم كردستان ليس مَخرجاً تنظيمياً سهلاً. إذ يَتعيّن على الشركات الراغبة في العمل على المستويَين الاتحادي والإقليمي التسجيل لدى السلطات في كلّ منهما – وهو مسارٌ مزدوج يُضيف وقتاً وكلفةً وتعقيداً في الامتثال. وأمّا قرار الدخول من أربيل أم بغداد أم منهما معاً، فينبغي أن يَستند إلى القطاع، وقاعدة العملاء، وتفضيلات الملكية، ومستوى تحمّل المخاطر، لا إلى الباب الذي يَبدو أيسر ظاهرياً.

ممارسة الأعمال: الاحتكاك ليس خَلَلاً، بل سمةٌ في المشهد

تَكشف جهود الرقمنة الأخيرة عن التوتّر بين الطموح والتنفيذ. فقد استحدثت دائرة مُسجِّل الشركات ووزارة العمل بوّاباتٍ إلكترونية للإيداع، وباتت كلّ الشركات مُلزَمة ببدء إجراءات التسجيل إلكترونياً. غير أنّ هذه البوّابات لا تَزال تَستند إلى المراجعة اليدوية – تُمسَح الوثائق وتُرفَع إلكترونياً لمراجعتها من قِبَل المسؤولين، ولا تَزال الأصول الورقية مطلوبة في حالاتٍ كثيرة. والنتيجة أنّ بعض الإصلاحات الرقمية أَوجدت في الواقع تأخيراً أكثر لا أقلّ.

وأُضيفت أيضاً متطلّبات إيداع جديدة. إذ يَتعيّن على الشركات في العراق الاتحادي الآن تقديم نماذج المستفيد الحقيقي، وتسجيل موقع إلكتروني عراقي بنطاق”.iq”، واستئجار صندوق بريد عراقي. ويترتّب على عدم الامتثال تعليق ملفّات الشركات إلى حين استيفاء هذه المتطلّبات.

والإصلاح في بيئة الأعمال حقيقي، لكنّه يَتحقّق على المدى المتوسط. فالشركات التي تَأخذ الاحتكاك في الحسبان ضمن جداولها الزمنية وميزانياتها هي التي تَصمد؛ أمّا التي تَفترض أنّ العراق سيَتصرّف وكأنّه دبي فمصيرها الإنهاك.

القطاع الخاصّ غير الرسمي: عالَم الشركات الموازي

من أبرز ما يُلفت النظر في العراق نسبةُ القطاع الخاصّ غير الرسمي. فالشركات الصغيرة والمتوسطة تُهيمن على المشهد، وكثيرٌ منها يَعمل دون تسجيل كامل، ودون امتثالٍ ضريبي شامل، وبعلاقات عمل تَجري بمنطق العائلة لا بمنطق المؤسسة.

ويَطرح هذا الواقع على المستثمر الأجنبي ثلاثة تحدّيات مباشرة:

  • مخاطر الطرف المُقابل: حين يَكون المقاول من الباطن الرئيس قليل التوثيق، ولا يَملك قوائم مالية حديثة، تَبدو أدوات “اعرف عميلك” المعتادة وأدوات تقدير الجدارة الائتمانية قاصرةً.
  • المخاطر الضريبية والعمّالية: قد يُجرّ المُتعهّد الأجنبي إلى نزاعاتٍ ضريبية أو عمّالية بسبب الطريقة التي يَتعامل بها شريكه المحلي مع العاملين أو يُسجّل بها أرقامه. وبموجب قواعد الضريبة العراقية، يُمكن أن يَترتّب على غير المقيم الذي يُعدّ “مُتاجراً في” العراق – وهو ما قد يَشمل تقديم خدمات عبر وكيل محلي أو مقاول من الباطن – التزامُ التسجيل وتقديم الإقرارات، حتى في فترات نشاط قصيرة جداً داخل البلاد.
  • القابلية للتوسّع: يَصعب توسيع سلسلة توريد قائمة على مزوّدين غير رسميين إذا كان العملاء النهائيون – سواء أكانوا مُقرضين أم جهاتٍ عامة أم مُشترين دوليين – يَتوقّعون مسارات تدقيق رسمية.

وفي المقابل، فالجانب الآخر فرصةٌ. فالانتقال إلى الرسمية في حدّ ذاته نموذجُ أعمال: منصّات الرواتب الرقمية، والخدمات المصرفية المُوجَّهة للشركات الصغيرة والمتوسطة، ومزوّدو المعلومات الائتمانية، وخدمات الضرائب والمحاسبة، والامتثال كخدمة – كلّها تَقع مباشرة في مسار سعي العراق إلى ضمّ مزيدٍ من اقتصاده إلى الإطار المُنظَّم.

2025-2026: إعادة ضبطٍ هادئة لكن مُهمّة للضرائب والإفصاح

ليست أبرز التغييرات التي تَعني مجالس الإدارة بالضرورة هي الأعلى صدىً في العناوين. فالعراق يَمضي في تحديث الضرائب والإفصاح المالي، سعياً إلى اتّساقٍ أوثق مع المعايير المحاسبية الدولية، ودافعاً الشركات نحو قوائم مالية أكثر شفافية. غير أنّ قانون الضرائب العراقي لا يَزال يَشترط مَسك الدفاتر والسجلات وفق النظام المحاسبي المُوحَّد المحلي – بما يُعادل المعايير المحاسبية العراقية المقبولة عموماً – وهو ما يَفرض على أيّ مجموعة مُتعدّدة الجنسيات تَعمل بمعايير IFRS على مستوى المجموعة مَواءمة هذه المعايير مع المعايير المحلية لأغراض الضرائب العراقية.

ويَكتسب هذا الأمر أهميّته للمجموعات مُتعدّدة الجنسيات على مستوياتٍ عدّة:

  • التقارير على مستوى المجموعة مقابل القواعد المحلية: تَحتاج الشركات التي تَعمل بمعايير IFRS إلى مَواءمة المتطلّبات العراقية مع معايير المجموعة بعنايةٍ أكبر – فالممارسة المحلية تَتطوّر، وبات يَصعب تَجاهل التفاوتات.
  • المضمون الاقتصادي وأسعار التحويل: لا يَوجد في العراق بعدُ تشريع تفصيلي لأسعار التحويل، غير أنّ قانون الضرائب يَتضمّن نصّاً خاصّاً بمعيار السعر المحايد – فإذا أَفضى ترتيبٌ بين أطراف مرتبطة إلى ترك ربحٍ ضئيلٍ للكيان العراقي، جاز للسلطة الضريبية تقدير الضريبة على أساس ما كان سيُفضي إليه ترتيبٌ بين أطراف مستقلّة. والتوقّعات تَتحوّل من “أَرِني الشكل القانوني” إلى “أَرِني النشاط الاقتصادي الفعلي”.
  • انضباط التوثيق: انتهى عهد التوثيق المُتساهل والمواقف الضريبية غير الرسمية. والمستثمرون المُحترفون يَتعاملون مع عام 2026 لحظةَ إعادة ضبطٍ لمواقفهم الضريبية وتقاريرهم، والتأكّد من أنّ المسار الورقي يُطابق الواقع التشغيلي.

أمّا على صعيد الأرقام الرئيسة، فإنّ معدّل ضريبة دخل الشركات يَبلغ 15% في معظم القطاعات – غير أنّه يَرتفع ارتفاعاً حادّاً إلى 35% على الدخل المُتّصل بإنتاج النفط والغاز والصناعات ذات الصلة. وتُطبّق الهيئة العامة للضرائب أيضاً منهجية الربح المُقدَّر، عبر المقارنة عملياً بين الضريبة المُقدَّرة على الإيرادات المُعلنة وبين الضريبة المحسوبة بالسعر المعياري على الأرباح المُعلنة، وتطبيق الأعلى منهما. والتفتيش الضريبي إلزامي، ومدّة التقادم خمس سنوات – وإن كانت السلطة تَحتفظ بحقّ الرجوع إلى فترات أبعد في حالاتٍ معيّنة. وبالنسبة للشركات التي تَتقدّم بعطاءات للأعمال الحكومية أو تَستورد سلعاً، باتت براءة الذمّة الضريبية الصادرة عن عملية التدقيق شرطاً مُسبَقاً مُتنامي الأهمية. بل إنّ متطلّبات الإيداع الجديدة أصبحت تَشمل شهادة الوضع الضريبي السليم، ممّا يُعزّز الصلة بين الامتثال الضريبي وإمكانية مزاولة الأعمال.

وبعبارة أخرى، ليس التحوّل الضريبي والإفصاحي قانوناً جذرياً جديداً بقدر ما هو تَدعيمٌ مُستمرّ بات يُشبه ما يَراه المستثمر الأجنبي في الأسواق الإقليمية الأكثر نضوجاً.

وتَجدر الإشارة كذلك إلى أنّ العراق ليس عضواً في الإطار الشامل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولم يُعلن عن أيّ خطوة لتطبيق قواعد الركيزة الثانية للحدّ الأدنى العالمي للضريبة. ولا يَعني ذلك أنّ هذه القواعد غير ذات صلة: فالمجموعات مُتعدّدة الجنسيات التي تَتّخذ مقرّاتها في ولاياتٍ قضائية اعتمدت الركيزة الثانية وتُمارس نشاطاً في العراق قد تَحتاج رغم ذلك إلى إجراء حسابات GloBE على مستوى كياناتها جميعاً، والتقيّد بالتزامات الإيداع في الولايات القضائية المُطبِّقة. وبالنسبة للمجموعات التي تَمتلك عملياتٍ عراقية ضمن هيكل أوسع لشركة متعدّدة الجنسيات، فإنّ تَفاعل النظام الضريبي العراقي مع البنية الناشئة للحدّ الأدنى العالمي للضريبة أمرٌ تَحتاج فرق المالية إلى تَتبّعه بعنايةٍ، حتى لو لم يَتّخذ العراق نفسه أيّ خطوة بعدُ.

العقود الحكومية: قواعدُ جديدة للعميل الأكبر في البلد

في العراق، أكبر عميلٍ هو الدولة – وقواعد العقود العامة بالغة الأهمية. والتعليمات الجديدة للعقود العامة التي بدأ تطبيقها على المناقصات في عام 2026 تُعيد ضبط إطار تَعامل الشركات الأجنبية مع الجهات الحكومية:

تُؤكّد القواعد أنّ القانون العراقي والقضاء العراقي يَحكُمان العقودَ العامة. وهذا منطقي من زاوية السيادة، لكنّه يَفرض على المستثمر الأجنبي التأنّي في استراتيجية تسوية المنازعات ومخاطر الإنفاذ. وعلى هذا الصعيد، يُقدّم انضمام العراق مؤخّراً إلى اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها مزيداً من الضمان للمستثمر الأجنبي بإمكانية تنفيذها على الجهات العراقية. كما وقّع العراق عدداً من اتفاقيات تشجيع الاستثمار الثنائية واتفاقيات تجنّب الازدواج الضريبي – تَشمل اتفاقياتٍ مع تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – وإن كانت لا تزال بانتظار تصديق البرلمان عليها.

ويَجري تحديث وثائق المناقصات ومعايير التقييم ومتطلّبات الأداء، مع تأكيدٍ أكبر على الامتثال وضمانات الأداء، وفي بعض القطاعات، صياغةٍ أشدّ بشأن المحتوى المحلي والمشاركة المحلية.

وتَظلّ مخاطر الموازنة والسداد محوريّة. فالطريقة التي تُقَرّ بها الموازنات السنوية في العراق – بما فيها قاعدة “1/12” المعروفة عند تأخّر إقرار الموازنة – تُؤثّر مباشرة في مواعيد سداد مُستحقّات المُتعهّدين وكيفيّته. وهذه ليست تفاصيل هامشية في المالية العامة؛ بل هي في صميم نمذجة التدفّقات النقدية وتسعير المخاطر.

وتَخضع المدفوعات من المقيمين العراقيين إلى المُتعهّدين غير المقيمين لضريبة استقطاع بنسبة 15% على فئاتٍ من قبيل الفوائد والأتاوى ورسوم خدمات الإدارة، وبنسب تَتراوح بين 3% و7% تقريباً على بعض الصناعات المُتّصلة بالنفط والغاز. والخطأ في احتساب ضريبة الاستقطاع في عقدٍ حكومي كبير قد يُؤثّر في اقتصاديات العقد وتوقّعات التدفّق النقدي بطرقٍ يَصعب تَداركها.

والنموذج الذي اعتمدتموه قبل خمس سنوات لن يَفي بمناقصة عام 2026. فكلّ مُقدِّمِ عطاءٍ جادّ مَدعوّ إلى تَكييف استراتيجيته التعاقدية – القانون الحاكم، والتسعير، والضمانات، والمقاولة من الباطن، وتسوية المنازعات – في مواجهة هذا الواقع الجديد.

من زاوية مجلس الإدارة، يَتلخّص المشهد العراقي في عام 2026 في بضع نقاطٍ صريحة:

  • السوق أكبر من أن يُتجاهَل لمن لديه طموحاتٌ إقليمية في خدمات الطاقة، أو المقاولات، أو البنية التحتية، أو الخدمات اللوجستية، أو الرعاية الصحية، أو التعليم، أو الخدمات الرقمية.
  • البيئة التشغيلية عالية الاحتكاك والتعقيد، ولن يَتغيّر ذلك بين عشيّةٍ وضحاها. وأيّ استراتيجية تَتعامل مع العراق وكأنّه منطقة حرّة خليجية أخرى مَصيرها الإخفاق.
  • أهمّ التطوّرات ليست قوانين جديدة فحسب، بل تَحوّلات في الإنفاذ، والتوقّعات الضريبية، وانضباط العمل، وممارسات العقود العامة. وهذه التحوّلات تُغيّر بالفعل كيف ينبغي للمستثمر المُمتثل أن يَتصرّف.
  • الرسمية ميزةٌ تنافسية. فالامتثال الظاهر – على صعيد الضرائب والعمل والحوكمة والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمية والمشتريات – ليس مُجرّد تَجنّب للمشاكل بل سبيلاً للوصول إلى شركاءَ أرقى وعملاءَ أكبر وتمويلٍ أفضل.
  • يُقدّم إقليم كردستان مدخلاً متمايزاً – تملّكٌ أجنبي كامل، وحوافز ضريبية، وإطارٌ أكثر تَوجّهاً نحو المستثمر – غير أنّه يَحمل تعقيداته الخاصّة، وينبغي تقييمه ضمن استراتيجيةٍ مُتّسقة على مستوى العراق ككلّ.
  • العراق ولايةٌ قضائية تَستلزم نفَساً طويلاً. فالمستثمرون الناجحون يَدخلون السوق برأس مالٍ صبور، وجداول زمنية واقعية، وثقافة امتثالٍ راسخة، وشراكاتٍ محلية عميقة – ويَنمون مع المنظومة بدلاً من محاولة الالتفاف عليها.

والعراق ليس مسألة “نعم أو لا”. بل هو قرارُ محفظة: ما حجم الانكشاف الذي تَرغبون فيه على أحد أكثر أسواق المنطقة تعقيداً، لكنّها في الوقت ذاته أكثرها قدرةً على إحداث تحوّلٍ جوهري، وما حجم الاستثمار في الحوكمة الذي أنتم على استعدادٍ لتحمّله لاستدامته؟

وهذه بالضبط هي اللحظة التي تَصنع فيها الاستعانة بالمستشار الميداني الصحيح الفرقَ بين منصّةٍ قابلة للتوسّع وتجربة مُكلِفة. تَجمع فرقُ الشركات في “التميمي ومشاركوه” بين الخبرة اليومية مع مُسجِّل الشركات العراقي والسلطات الضريبية وسلطات الضمان الاجتماعي والجهات الرقابية القطاعية، وبين منظورٍ إقليمي حول توقّعات مجالس الإدارة والمُقرضين والمستثمرين السياديين بشأن شكل الهياكل المؤسسية.

Next Article