شرط التحكيم يقوم على الإرادة المشتركة لأطرافه، فإنه يتعين أن يكون التنازل عنه صريحاً ويستند على الإرادة ذاتها (1/10)

February 18, 2026 (Edited) English

أصدرت محكمة تمييز دبي حكماً هاماً حيث أشارت فيه إلى مبدأ في غاية الأهمية وهو أن التحكيم كوسيلة لفض المنازعات قوامه إقرار المشرع به والإرادة المشتركة للأطراف على ارتضائه والتنازل عن اللجوء إلى الأصل العام للتقاضي، ألا وهو قضاء الدولة. فمبدأ سلطان الإرادة يمثل ركيزة أساسية يقوم عليها التحكيم وجوداً وعدماً، فكما أن التحكيم لا يقوم إلا بتوافر الإرادة المشتركة للأطراف من خلال الإيجاب والقبول (رضا الأطراف)، بالإضافة إلى أهليتهم القانونية وإقرار المشرع بتسوية النزاع عن طريق التحكيم، فإن التنازل عن الجوء الى التحكيم يجب أن يكون بإرادة الأطراف إذ لا يستطيع أحد أطراف العلاقة او بعضهم الإعلان أو الإقرار بالتنازل عن شرط التحكيم بإرادتهم المنفردة.

هذا المعنى انعكس جلياً في حكم محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 618 لسنة 2023 طعن تجاري الصادر بتاريخ 26 أكتوبر 2023، حيث قررت المحكمة أنه في حال وجود اتفاقين بين الطرفين (اتفاق أصلي) مثل عقد المقاولة الرئيسي و (اتفاق لاحق) مثل عقد المقاولة من الباطن، فإن اتفاق الأطراف في العقد اللاحق على اختصاص (القضاء) لحسم منازعاتهم لا يعد تنازلاً ضمنياً عن شرط التحكيم الوارد في العقد الأصلي، لا سيما مع أنعدام  أي إشارة صريحة تدل  على  إرادة الأطراف للتنازل أو التخلي عن شرط التحكيم [1].  إضافة إلى أن لكل من العقدين موضوع مستقل يمكن معه تجزئة النزاع بحيث لا يؤثر موضوع أحدهما على الآخر.

يعد هذا الحكم من الاجتهادات الداعمة للتحكيم، حيث يبرز  بجلاء احترام القضاء لإرادة الأطراف  في أختيار الآلية أو الآليات المناسبة لحسم منازعاتهم، سواء كان التحكيم أو القضاء أو كليهما. وقد فرق الحكم كما رأينا بين اختيار كلا الوسيلتين لحسم منازعات الأطراف إذا اختلف الاتفاق في العقود المبرمة بينهما فلا يعد النزاع تابعاً للأصل في هذه الحالة ولا يعد المتفق عليه في العقد اللاحق لاغياً لما تم الاتفاق عليه في العقد الأصلي بشأن آلية حسم النزاع، إذ لا يعد الاتفاق على اللجوء إلى القضاء في العقد اللاحق تنازلاً عن شرط التحكيم الوارد في العقد الأصلي.


[1] في الطعن رقم 618 لسنة 2023 طعن تجاري الصادر بتاريخ 26/10/2023 “ومن المقرر كذلك أنه ولئن كان يجوز للخصم أن يتنازل عن التمسك بشرط التحكيم صراحة أو ضمنًا إلا أنه يشترط في هذا التنازل الضمني أن يكون بفعل أو إجراء يكشف عنه بجلاء ويدل على العزوف عنه بما لا يدع مجالًا للشك في اتجاه إرادته إلى التنازل عن ذلك الشرط وترك الحق في التمسك به، وأن استخلاص هذا التنازل أو نفيه هو من سلطة محكمة الموضوع بما لها من سلطة في تقدير الأدلة والقرائن والمستندات المقدمة إليها والموازنة بينها بلا معقب عليها من محكمة التمييز متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصلها الثابت في الأوراق وتكفي لحمله وتؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها”

Next Article