معضلة الحسابات المجمعة في الجرائم السيبرانية: ثغرة الإجراءات البنكية وحتمية التدخل القانوني المبكر

أحدثت الطفرة الهائلة في قطاع التقنية المالية (FinTech) بدولة الإمارات العربية المتحدة نقلة نوعية في تسهيل المعاملات اليومية والتحويلات الفورية عبر تطبيقات الأجهزة الذكية، ورغم الدعم التشريعي والرقابي الصارم الذي يفرضه المصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة لضمان أمان هذه المنظومة، إلا أن الواقع العملي كشف مؤخراً عن “ثغرة إجرائية” خطيرة تقع عند تقاطع العمل المصرفي التقليدي مع آليات إنفاذ القانون.

تتجلى هذه المعضلة عندما يُستغل التطبيق الرقمي كواجهة لتنفيذ عمليات احتيال منظمة، حيث يجد موظفو شركات التقنية المالية والمخولون بالتوقيع أنفسهم في مرمى الاتهام الجنائي والتوقيف والحبس الاحتياطي، في حين يلوذ الجاني الحقيقي بالفرار خارج البلاد مستغلاً الوقت المستغرق في المراسلات الروتينية بين الشرطة والبنوك.

يوضح هذا المقال الأبعاد القانونية والتقنية لهذه الإشكالية، ويطرح حلولاً تشريعية وإجرائية لتجاوزها، مع تسليط الضوء على الدور المحوري للمحامي المتخصص منذ اللحظات الأولى لضمان مسار العدالة وحماية كافة الأطراف.

أولاً: الأبعاد القانونية للمعضلة وسيناريو الظلم الإجرائي

تنشأ الأزمة من فجوة في التوصيف والتعريف الإجرائي بين البنوك التقليدية وجهات التحقيق (الشرطة والنيابة العامة). تقنياً، تودع أموال مستخدمي المحافظ الرقمية في حساب بنكي تقليدي واحد ضخم يُعرف بـ “حساب الضمان المجمّع” (Escrow/Trust Account) يكون باسم الشركة المشغلة للتطبيق، بينما تدار أرصدة الأفراد عبر حسابات فرعية افتراضية (Virtual Accounts) داخل السجلات البرمجية للشركة المشغلة للتطبيق فقط.

عند وقوع جريمة احتيال رقمي، يتقدم الضحية ببلاغ فوري للشرطة مستنداً إلى رقم الحساب البنكي التقليدي الذي حوّل إليه الأموال -والذي يعود للشركة المشغلة-، تتحرك السلطات وتخاطب البنك المستلم للاستعلام عن “صاحب الحساب والمستفيد منه”، وهنا تكمن العقدة؛ حيث يقتصر رد البنك على البيانات السطحية المسجلة في نظامه المصرفي الأساسي (Core Banking System)، فيفيد بأن الحساب عائد للشركة (X)، وأن المخولان بالتوقيع على سبيل المثال هما الموظفان (أ) و (ب) واللذان يعملان لدى الشركة المشغلة للتطبيق.

بناءً على هذا الرد التقليدي، وتطبيقاً للقواعد العامة الصارمة في مكافحة غسل الأموال والجرائم السيبرانية، تصدر الجهات الأمنية أوامر بالقبض على هؤلاء الموظفين وإحالتهم للنيابة العامة بتهمة الاستيلاء على مال الغير (الاحتيال) أو جريمة الحصول على أموال في ظروف تحمل على الاعتقاد بعدم مشروعيتها، وهي جريمتان معاقب عليهما بنصوص المواد 451 و456 من قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي وغيرها من القوانين العقابية في دولة الإمارات العربية المتحدة، كقانون مكافحة جرائم غسل الأموال وقانون مكافحة الشائعات والجرائم الالكترونية، وفي هذه الأثناء، يكون المحتال الحقيقي قد قام بتحويل الرصيد افتراضياً أو سحبه عبر قنوات أخرى، وتمكن في بعض الأحيان من مغادرة البلاد قبل أن تتنبه سلطات التحقيق إلى وجود طبقة تقنية ثانية تُخفي الهوية الحقيقية للجاني.

إن هذا السيناريو لا يشكل هدراً للوقت والجهد القضائي فحسب، بل يلحق ضرراً بالغاً بسمعة الكوادر المهنية والبيئة الاستثمارية لقطاع التقنية المالية، وجهات إنفاذ القانون على حد سواء.

ثانياً: المقترحات التشريعية والإجرائية لسد الثغرة

لمواجهة هذه المعضلة وحماية المنظومة المالية والقضائية، بات من الضروري إدخال تعديلات إلزامية على مسار المراسلات والتحقيقات الجنائية المرتبطة بحسابات التقنية المالية، وذلك عبر شقين رئيسيين:

1. إلزام البنوك بتطوير وتفصيل صيغة الرد الإجرائي

يجب على المصرف المركزي الإماراتي إصدار تعميم ملزم لكافة البنوك التقليدية يقضي بتحديث نماذج ردودها على الجهات الأمنية والقضائية، بحيث لا يجوز للبنك عند الاستعلام عن حساب مجمّع أن يكتفي بذكر اسم الشركة والمخول بالتوقيع، بل يجب إلزامه قانوناً بتضمين العبارات والصيغ التالية في كتابه الرسمي:

  • الإشارة صراحة إلى أن الحساب محل الاستعلام هو “حساب أمانة/ضمان مجمّع (Escrow Account) مخصص لخدمات المحفظة الإلكترونية لجمهور المتعاملين”.
  • النص على أن “الأموال المودعة فيه لا تعود ملكيتها الشخصية للشركة أو للمخولين بالتوقيع عنها، وإنما تُدار برمجياً لصالح أفراد مستخدمين آخرين”.
  • وجوب توجيه جهة التحقيق والتحري تفصيلياً نحو “مخاطبة الشركة المشغلة للتطبيق (بصفتها حائزة الدفاتر الفرعية الافتراضية) لتحديد الهوية الرقمية للمستفيد الفعلي من العملية”.

2. وضع قيود إجرائية على قرار القبض والتوقيف

في المقابل، يجب تثقيف رجال الشرطة وأعضاء النيابة العامة بهذا الخصوص، وأن دعت الحاجة، أن يكون هناك بعض أفراد الشرطة والنيابة والذين تتوفر فيهم الدراية التقنية الحديثة من تلقي هذه الملفات حصراً دون غيرهم، وأن يُحظر إلقاء القبض أو إحالة أي موظف أو مخول بالتوقيع في شركة تقنية مالية للمحاكمة الجزائية، إذا ورد في رد البنك أن الحساب “مجمّع للمحفظة”.

ولضمان ألا يكون هناك أي تواطؤ من أحد موظفي الشركة المشغلة وحماية للغير حسن النية، ينبغي إلزام جهات التحقيق بعدم اتخاذ أي إجراء مقيد للحرية ضد إدارة الشركة إلا بعد استيفاء الشروط التالية:

  • مخاطبة القسم القانوني بشركة التقنية المالية مباشرة للحصول على كشف حساب تفصيلي للرقم الافتراضي (Sub-ledger Statement) المرتبط بالعملية محل الجريمة.
  • استخراج بيانات الهوية الرقمية (UAE Pass) للمستخدم الفعلي للمحفظة المستفيدة، والتي تشتمل على اسمه الحقيقي، رقم هويته، وصورته الحية الموثقة وقت التسجيل.
  • ملاحقة صاحب المحفظة الافتراضية حصراً باعتباره المتهم الفعلي، وحصر دور الشركة وموظفيها في صفة “شاهد أو مقدم للمعلومات” ما لم يثبت تواطؤهم الجنائي المباشر.

ثالثاً: أفضل الممارسات العالمية في حماية ضحايا الاحتيال الرقمي

بينما نتحرك لحماية الموظفين الأبرياء من التوقيف الخاطئ، يجب ألا نغفل حقوق الضحية المتعرض للاحتيال، إذ تتجلى أفضل الممارسات العالمية المعمول بها في الأنظمة القضائية والمصرفية المقارنة في التدابير التالية:

  • آلية التجميد الفوري الساخن (Hot-Freezing): تتيح بروتوكولات الأمن السيبراني العالمية للشرطة إصدار أمر تجميد رقمي فوري ومباشر يربط البنك التقليدي وشركة المحفظة خلال دقائق من البلاغ، مما يمنع المحتال من نقل الأموال عبر الحسابات الافتراضية أو سحبها، ويحبط محاولته للفرار المستندة إلى عامل الوقت.
  • إجراءات تأكيد المستفيد (Confirmation of Payee – CoP): إلزام التطبيقات قبل إتمام أي تحويل بإظهار الاسم الحقيقي لصاحب المحفظة المستفيدة والمطابق لهويته الرسمية، مما يقلل من فرص خديعة الضحية بأسماء وصفات وهمية.
  • صناديق التعويض المشتركة (Contingent Reimbursement Model): في بعض الأنظمة، تلزم التشريعات البنوك وشركات التقنية المالية بالمساهمة في صندوق تعويضات لرد أموال ضحايا الاحتيال المالي المعقد، خاصة إذا ثبت وجود قصور في أنظمة رصد الأنشطة المشبوهة (Anti-Money Laundering – AML) لدى المنصة الرقمية.

رابعاً: الدور المحوري والوجودي للمحامي من اللحظة الأولى

وسط هذه التشابكات الإجرائية والتقنية المعقدة، لا ينبغي لأي من أطراف النزاع – سواء كان ضحية يبحث عن ماله الضائع، أو موظفاً في شركة تقنية يواجه خطراً جنائياً داهماً – أن يترك مسار القضية للصدفة أو للمراسلات الروتينية. هنا يبرز الدور المحوري والوجودي للمحامي المتخصص في الجرائم الرقمية والمنظومة المصرفية.

إن التدخل المبكر للمحامي منذ الساعات الأولى لتقديم البلاغ يشكل الفارق الحاسم بين ضياع الحقوق وصونها، أو بين التوقيف والحبس الاحتياطي والسلامة الإجرائية، وتتمثل مهامه المحورية في الآتي:

  • صياغة وتوجيه الخطابات بالدقة الفنية المطلوبة:
    لا يمتلك رجال الضبط القضائي دائماً الخلفية التقنية العميقة للتفريق بين الحساب التقليدي والافتراضي، يقوم المحامي هنا بدور “المترجم القانوني التقني”، حيث يشرف على صياغة الطلبات المقدمة للشرطة والنيابة لضمان أن تصدر الخطابات الموجهة للبنك بصيغة فنية متخصصة، تطلب كشفاً للغطاء المالي والحسابات الافتراضية المرتبطة، وتمنع صدور ردود مبهمة تؤدي للقبض العشوائي على موظفي الشركة المشغلة.
  • الدفاع وتقديم الاستيضاحات اللازمة أمام النيابة العامة والمحكمة الجزائية:
    في حال وقوع المحظور وتوقيف الموظف أو المسؤول عن الحساب المجمع، فإن المحامي المتخصص لا ينتظر الدورة المستندية التقليدية لجهات التحقيق؛ بل يتحرك بالتوازي مع النيابة العامة للضغط باتجاه إصدار الأوامر اللازمة والمخاطبات المفيدة للجهات المعنية، وتقديم الاستيضاحات للأشخاص المعنيين سواء لدى النيابة العامة أو البنك المركزي والبنوك العاملة في الدولة والمتصلة بالواقعة محل التحقيق.
  • القضايا المشابهة في هذا الصدد:
    ولقد نجحنا في التميمي ومشاركوه في تحييد العديد من القضايا المشابهة، والتي كان فيها موظفو الشركة المشغلة لتطبيق الوساطة المالية وعمليات الدفع على جرف حكم الإدانة، بل أن بعضهم قد صدر عليهم حكم بالإدانة فعلاً ولكن وبعد تدخلنا تمكنا من التحصل على أحكام براءة أمام المحاكم الأعلى، وقد انتهت العديد من هذه البلاغات في مرحلة التحقيق أمام النيابة العامة، إذ أنه وبعد تقديم الاستيضاحات اللازمة والتحدث بالشكل القانوني والتقني السليم، انتهت النيابة العامة في هذه القضايا إلى حفظ القضية لعدم صلة المتهم (موظف الشركة) بالواقعة محل التحقيق، مستندين في ذلك إلى طبيعة “حسابات الثقة” واللوائح المنظمة للتقنيات المالية الصادرة عن المصرف المركزي، التي تؤكد أن الحيازة المادية للمال لم تدخل في الذمة المالية الشخصية للموظف، مما ضمن لنا نتائج مُرضية.

إن حماية الاقتصاد الرقمي الواعد في دولة الإمارات تتطلب توازناً دقيقاً بين سرعة ملاحقة الجناة السيبرانيين، وحماية الكوادر المهنية من مغبة الإجراءات الروتينية القاصرة، إن إلزام البنوك بتفصيل طبيعة “الحسابات المجمعة” في ردودها الرسمية، وتقييد جهات التحقيق بعدم الإحالة إلا بعد استيفاء تقارير الحسابات الافتراضية، يمثل طوق النجاة لحفظ استقرار هذا القطاع الحيوي والمهم، ويبقى الوعي القانوني والاستعانة بالتمثيل القانوني المحترف منذ اللحظة الأولى هو الضمانة الأكيدة لإعلاء سيادة القانون وحماية الحقوق في العصر الرقمي.