الاحتيال الاستثماري الإلكتروني: محكمة التمييز في البحرين تشدد المسؤولية الجنائية عن المشاركة في مخططات الاحتيال

الكتّاب

حكم محكمة التمييز في البحرين  بشأن المشاركة الجنائية في مخططات الاحتيال المالي الإلكتروني

الطعن رقم 166 لسنة 2024

المقدمة

أدت التطورات الإقليمية الأخيرة وارتفاع مستوى المخاطر، أن تقوم الجهات التنظيمية والمؤسسات السوقية في مملكة البحرين إلى تجديد تحذيراتها للعامة بشأن الاتصالات الاحتيالية التي ترد بهدف انتحال صفة ممثلي الجهات الرسمية أو المؤسسات المالية وغيرها من المنصات الاستثمارية. وتبين هذه التحذيرات مدى تزايد انتشار مخططات الاحتيال الإلكتروني والتي تعتمد على وسائل تقنية، وأساليب خداع عبر الطرق الالكترونية، تهدف إلى استدراج المجني عليهم والاستيلاء على أموالهم.

ولم يعد الاحتيال الإلكتروني يقتصر على عمليات احتيال «فردية».  بل أصبح في كثير من الحالات نشاطًا إجراميًا منظمًا يقوم على توزيع الأدوار بين عدة أشخاص ويستفيد من الوسائل التكنولوجية الحديثة. وغالبًا ما تجمع هذه المخططات بين أساليب الخداع الإلكتروني واستخدام تطبيقات متخصصة، تتيح للجناة الولوج إلى أجهزة المجني عليهم الكترونياً.

كذلك، تشهد المحاكم تزايداً في عدد القضايا المتعلقة بشبكات احتيال معقدة، لا يكون فيها الشخص الذي يتواصل مع المجني عليه بالضرورة هو ذات الشخص الذي يتلقى الأموال أو يتصرف في العائدات الإجرامية. بدلاً من ذلك، تعتمد هذه المخططات غالباً على وسطاء وحاملي حسابات مصرفية أو أشخاص يتولون استلام الأموال بهدف إبعاد مرتكبي الجريمة عن العائدات المتحصلة منها.

وفي هذا السياق، يكتسب حكم محكمة التمييز في البحرين في الطعن رقم 166 لسنة 2024 أهمية خاصة، إذ يتناول تقييم المحاكم لجرم “المشاركة” ومسؤولية الأشخاص المشاركين في مخططات الاحتيال الإلكتروني المنظمة، ويبيّن الأسس القانونية لإثبات المشاركة الجنائية والقصد الجنائي في الجرائم المالية المرتكبة باستخدام الوسائل الإلكترونية.

ويستعرض هذا المقال أبرز المبادئ القانونية التي تضمنها الحكم.

المخطط الاحتيالي: ذريعة «الاستثمار»، الولوج لأجهزة المجني عليهم الكترونياً والاستيلاء على الأموال

تناول الحكم محل التعليق نمطًا متكررًا من عمليات الاحتيال التي انتشرت في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. إذ يتواصل الجناة مع المجني عليهم منتحلين صفة ممثلي  شركات استثمارية، ويعرضون عليهم فرصًا استثمارية تحقق أرباحًا مرتفعة في مجالات مختلفة مثل تداول السلع أو الأصول المالية.

وبعد بناء الثقة مع المجني عليهم وإقناعهم بالفرصة الاستثمارية وإجراء تحويلات مالية مبدئية، يُطلب منهم انزال وتثبيت تطبيقات الكترونية والتي تتيح الوصول والولوج عن بُعد إلى هواتفهم المحمولة أو أجهزتهم الذكية (مثل الحساب الآلي). وبمجرد تثبيت هذه التطبيقات، يتمكن الجناة من الاطلاع على شاشة جهاز المجني عليه في الوقت الفعلي والحصول على رموز التحقق أو كلمات المرور لمرة واحدة (OTP) المستخدمة لتأكيد العمليات المصرفية الإلكترونية. ومن خلال هذا الولوج عن بعد والوصول إلى هذه البيانات، يستطيع الجناة الاستيلاء على الأموال بتنفيذ تحويلات غير مصرح بها، عبر الخدمات المصرفية الإلكترونية أو التطبيقات البنكية.

وقد أكدت محكمة التمييز أن هذا النوع من المخططات لا يقوم على فعل احتيالي واحد فحسب، بل يمثل نظامًا احتياليًا منظمًا يعتمد على استخدام الوسائل التقنية كجزء أساسي من آلية تنفيذ الجريمة.

النصوص القانونية ذات الصلة

استندت المحكمة في تحليلها إلى عدد من النصوص القانونية المنظمة للجرائم المالية والإلكترونية في مملكة البحرين، من أبرزها:

  • أحكام قانون العقوبات المتعلقة بجريمة الاحتيال والاستيلاء على الأموال والمشاركة الجنائية، بما في ذلك المسؤولية الناشئة عن الاتفاق أو المساعدة في ارتكاب الجريمة؛
  • قانون المعاملات الإلكترونية (المرسوم بقانون رقم 54 لسنة 2018)، الذي ينظم حجية التوقيعات الإلكترونية وآليات المصادقة الرقمية.
  • قانون الجرائم الإلكترونية (القانون رقم 60 لسنة 2014)، الذي يجرّم إساءة استخدام تقنية المعلومات بقصد الاستيلاء على أموال الغير أو تحقيق منافع مالية غير مشروعة.

أركان الجريمة

أولاً: الركن المادي: ويتمثل في سلسلة الأفعال الوهمية و الاحتيالية المنفذة باستخدام وسائل تقنية بهدف الاستيلاء على أموال المجني عليهم. ومنها:

  • انتحال صفة جهات استثمارية واستدراج المجني عليهم نحو الاقتناع بصحة مشروع وهمي لتحويل الأموال؛
  • توجيه المجني عليهم إلى تثبيت تطبيقات أو برامج تتيح الوصول إلى أجهزتهم؛
  • الحصول على رموز التحقق أو بيانات المصادقة واستخدامها دون إذن صاحب الحساب؛
  • تنفيذ تحويلات مالية أو سحوبات غير مصرح بها، يعقبها أحيانًا استلام الأموال من قبل أطراف أخرى.

واعتبرت المحكمة أن استخدام رموز المصادقة أو بيانات التحقق لإجراء معاملات إلكترونية دون تفويض من صاحب الحساب يشكل صورة من صور إساءة استخدام وسائل المصادقة الإلكترونية ويُعد جزءًا من النشاط الإجرامي.

ثانياً: الركن المعنوي: وأكدت المحكمة بشأنه أن القصد الجنائي في مثل هذه الجرائم لا يشترط ثبوته باعتراف صريح من الجاني، بل يمكن استخلاصه من ظروف الواقعة وملابساتها.

وفي قضايا الاحتيال الإلكتروني، قد يستدل على القصد الجنائي من خلال عدد من المؤشرات، منها:

  • تلقي الأموال المرتبطة بالجريمة بصورة متكررة؛
  • وجود اتصالات أو مراسلات تتعلق بالتحويلات المالية؛
  • الدور الذي يؤديه الجاني في تنفيذ المخطط الاحتيالي أو التصرف في عائداته.

وعندما يقتصر دور أحد الجناة على مرحلة لاحقة من المخطط—مثل استلام الأموال أو تحصيلها—فإن المسألة الأساسية تتمثل في مدى علمه بأن تلك الأموال متحصلة من نشاط غير مشروع، أو أنه كان في ظروف لا يمكن معها أن يجهل طبيعتها غير المشروعة.

المشاركة الجنائية في شبكات الاحتيال الإلكتروني

مسألة المشاركة الجنائية في جرائم الاحتيال الإلكتروني التي ترتكبها شبكات منظم، هي من أبرز ما تناوله الحكم آنف البيان،. كالتالي:

المشاركة بطريق الاتفاق: الأصل في هذه الحالة ان يتوافر دليل بشأن اتفاق ما بين الجناة نحو تنفيذ المخطط الاحتيالي وتحديد أدوار معينة فيما بينهم نحو إتمام الجرم، إلا أن المحكمة أوضحت أن القصد الجنائي المشترك قد يستفاد من طبيعة المخطط الإجرامي وطريقة تنفيذه، حتى في حال عدم وجود دليل مباشر على اتفاق صريح بين الجناة. فشبكات الاحتيال المنظمة غالبًا ما تعتمد على توزيع الأدوار بين عدة أشخاص دون وجود مستندات تثبت هذا الاتفاق.

المشاركة بطريق المساعدة: كما أكدت المحكمة أن المسؤولية الجنائية قد تثبت في حق من يقدم مساعدة فعلية تسهم في تنفيذ الجريمة، مثل:

  • تلقي الأموال المتحصلة من الاحتيال؛
  • تنسيق تسليم الأموال أو نقلها؛
  • تنفيذ مهام تساعد على تحويل العائدات أو إخفاء مصدرها.

ومن ثم، قد تمتد المسؤولية الجنائية إلى الوسطاء أو الأشخاص الذين يتولون استلام الأموال أو نقلها، حتى وإن لم يكن لهم تواصل مباشر مع المجني عليهم.

كما شددت المحكمة على أن الطعون التي تهدف إلى إعادة تكييف الوقائع باعتبارها جرائم أخف لا تقبل متى كانت تقوم على مجرد منازعة في سلطة المحكمة التقديرية للوقائع وظروفها وملابساتها، إذ إن تقدير الأدلة والوقائع يدخل في نطاق سلطتها. وعليه، إذا تعددت الجرائم الناشئة عن الفعل ذاته وكانت مرتبطة ارتباطًا لا يقبل التجزئة—بما في ذلك وجود جناية وجنحة مرتبطين—فإن الاختصاص ينعقد للمحكمة المختصة بنظر الجريمة الأشد.

طرق إثبات جرائم الاحتيال الإلكتروني

يبين الحكم طبيعة الأدلة التي تعتمد عليها المحاكم في قضايا الاحتيال المالي المرتكب باستخدام الوسائل الإلكترونية، ومن أهمها:

  • أقوال المجني عليهم بشأن كيفية استدراجهم وتحويل الأموال؛
  • نتائج التحقيقات التي تجريها الجهات المختصة بجرائم تقنية المعلومات؛
  • تقارير الأدلة الجنائية الرقمية، مثل استخراج الرسائل وسجلات الاتصالات؛
  • السجلات المصرفية التي تظهر حركة الأموال بين الحسابات المختلفة.

وقد أكدت المحكمة أن تكامل هذه الأدلة وتوافقها—سواء من حيث البيانات الرقمية أو مسار التحويلات المالية أو أقوال المجني عليهم—يمكن أن يشكل دليلاً كافيًا لإثبات اشتراك المتهم في المخطط الإجرامي.

الخلاصة

يعكس هذا الحكم إدراك المحاكم للتطور الذي شهدته أساليب الاحتيال الحديثة، والتي أصبحت تعتمد على شبكات مترابطة من الأشخاص والوسائل التقنية.

وعليه، قد يتحمل الأشخاص الذين يشاركون في تحويل الأموال المشبوهة أو استلامها أو التصرف فيها مسؤولية جنائية، سواء كانوا على علم بطبيعة تلك الأموال أو تغاضوا عمدًا عن مصدرها. ولا تقتصر هذه المسؤولية على الجرائم الأقل جسامة (الجنح)، بل قد تمتد لتشمل المشاركة في جرائم أشد خطورة (الجنايات) المرتبطة بالمخطط الإجرامي ككل.

وبناءً عليه:

للأفراد: يؤكد الحكم أهمية توخي الحذر عند تلقي عروض استثمارية غير موثوقة، خاصة إذا تضمنت طلبات بتثبيت تطبيقات للوصول عن بُعد أو مشاركة رموز المصادقة أو تحويل الأموال إلى حسابات غير معروفة.

للشركات والمؤسسات المالية: يسلط الحكم الضوء على أهمية تعزيز أنظمة مكافحة الاحتيال، بما يشمل رفع مستوى وعي العملاء، ومراقبة العمليات المالية المشبوهة، وتفعيل إجراءات الاستجابة السريعة عند الاشتباه في وقوع عمليات احتيال.

 

الكتّاب