Senior Knowledge Translator
قصة الاستثمار في المغرب خلال عام 2026 قصة التقاء وتَكامُل؛ إذ يتسارع الاستثمار في البنية التحتية على نطاقٍ واسع، فيما تتقدّم البنية القانونية والتنظيمية بثبات لتُضيّق الهُوّة بين الطموح السياساتي والواقع التشغيلي. وفي ظل تفاوت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً، وإعادة رسم خارطة توزيع رؤوس الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعبر القارة الأفريقية جرّاء التقلبات الإقليمية، يضع المغرب نفسه لا بوصفه رهاناً على سوقٍ ناشئة، بل منصةً متنوعةً قائمةً على القواعد، تصِل بين أوروبا والخليج وأفريقيا جنوب الصحراء.
وتؤكّد الأرقامُ هذه الرواية؛ فقد تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى ما يُقدَّر بنحو 4.9% في عام 2025، مدفوعاً بانتعاش الإنتاج الزراعي وموجةٍ من المشاريع الكبرى للبنية التحتية، ويُتوقَّع أن يبلغ 4.4% في عام 2026. كما سجّل صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وعائداته زياداتٍ سنويةً ملموسة. وقد اختتم صندوق النقد الدولي مشاوراته للمادة الرابعة لعام 2026 مؤكداً أن المغرب لا يزال مستوفياً لمعايير التأهُّل لخط الائتمان المرن الممنوح له؛ وهي إشارةٌ إلى متانةٍ مؤسسية ومصداقيةٍ سياساتية قلّما تجتمعان لدى نظراء المغرب في أفريقيا أو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأوسع.
وبالنسبة إلى مجالس الإدارة ومستشاريها، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان المغرب يستحق الاهتمام، بل بأيِّ شروطٍ قانونيةٍ ومالية وهيكلية يُوظَّف رأس المال. ويتناول هذا المقال الركائز الرئيسية التي تُشكّل هذا التقييم .
يحتل صميمَ العرض الاستثماري المغربي قانونُ الإطار رقم 03-22، أي ميثاق الاستثمار الصادر في ديسمبر 2022، الذي حلَّ محل ميثاق 1995، وأرسى منظومةً متكاملةً ومحفِّزةً للاستثمار المحلي والأجنبي على حدٍّ سواء.
ويرتكز الميثاق على ثلاث دعائم:
ويُقدّم الميثاق دعماً حكومياً متدرّجاً، يبدأ بمِنحٍ تُغطّي جزءاً من التكاليف المؤهَّلة للمشاريع المستوفية للحدود الدنيا من الاستثمار أو إحداث فرص العمل، ويمتد ليشمل آلياتٍ مخصَّصةً للمشاريع الاستراتيجية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتوسُّع الدولي.
وتختصّ اللجنةُ الوطنيةُ للاستثمارات، برئاسة رئيس الحكومة، بإسباغ صفة “المشروع الاستراتيجي”، كما تتولّى المصادقة على اتفاقيات الاستثمار. وتكشف بيانات التنفيذ عن تفعيلٍ نشِط للإطار؛ إذ بلغ عدد الاتفاقيات المعتمَدة منذ مارس 2023 ما مجموعه 238 اتفاقية، بقيمة استثمارية تبلغ 344 مليار درهم مغربي، وتُسهم في إحداث 121,000 فرصة عمل، فضلاً عن 12 مشروعاً استراتيجياً مُتعاقَداً عليه (70 مليار درهم، 58,000 فرصة عمل)، و13 مشروعاً استراتيجياً إضافياً في انتظار التعاقد (183 مليار درهم، 37,000 فرصة عمل). ويستهدف الميثاق تعبئةَ ما يزيد عن 550 مليار درهم من الاستثمار الخاص، واستحداث 500,000 فرصة عمل خلال الفترة 2022-2026. وعلى الرغم من تفاوت التقدُّم بحسب القطاعات، فإن خطة المشاريع الحالية والاعتمادات الصادرة تُشير إلى متابعة مؤسسية جدّية لبلوغ هذا الهدف.
ومن منظور المستثمر، يُوفّر الميثاق إطاراً شفّافاً قائماً على الاتفاقيات، بحوافز مقنَّنة، ومعايير استحقاق منشورة، وحوكمة موزَّعة بين المستويين الوطني والجهوي. وتعمل المراكز الجهوية للاستثمار كنافذة موحدة للمشاريع التي تقلّ قيمتها عن 250 مليون درهم. كما رُسِّخت في صلب القانون مبادئُ المساواة في المعاملة بصرف النظر عن الجنسية، وحرية المنافسة، وحماية الملكية الفكرية، وحرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال.
أنجز المغرب إصلاحاً جوهرياً لمنظومة ضريبة الشركات في الأول من يناير 2026، إذ باتت المعدلات النسبية الموحَّدة سارية المفعول بالكامل. وقد عَمِل هذا الإصلاح على تبسيط شرائح المعدلات، والتخفيض التدريجي للضريبة على أرباح الأسهم، وتضييق نطاق الإعفاءات، مع استحداث تدابير قطاعية مستهدفة ومساهمة تضامنية مؤقَّتة.
يَبرُز قطاعا البناء والبنية التحتية بوصفهما أقوى محرّكات النمو في المغرب على المدى القريب، بفضل برنامج استثمار عمومي ضخم. ويعتزم المغرب تخصيص ما يقارب 12% من ناتجه المحلي الإجمالي سنوياً للاستثمار العمومي حتى عام 2030، فيما يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يرفع الزخم الراهن في البنية التحتية الناتجَ المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2% بحلول نهاية العقد، وأن يُحقّق مكاسب طويلة الأمد بنسبة 3% بعد ذلك مع انعكاس مكاسب الإنتاجية على الاقتصاد.
وتشمل المشاريع الرئيسية المحطةَ الجديدة لمطار محمد الخامس بالدار البيضاء (بكلفة تقديرية تبلغ مليار دولار أمريكي)، وتمديد خط القطار السريع الذي يربط طنجة بالقنيطرة وصولا إلى مراكش، واستثمارات كبرى في الأقاليم الجنوبية عبر مناطق اقتصادية ومراكز لوجستية في الكويرة والكركرات والداخلة. كما تتدفّق رؤوس أموال ضخمة نحو قطاع الطاقة، ولا سيما الطاقات المتجدّدة، وقطاع البنية التحتية المائية بما فيها بناء سدود جديدة.
وتُعدّ البنية التحتية اللوجستية في المغرب من بين الأقوى في أفريقيا؛ فميناء طنجة المتوسّط هو الأكبر في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط من حيث الطاقة الاستيعابية، فيما تمتدّ الشبكة السككية الحديثة في البلاد على 3,815 كيلومتراً، وتضمّ أوّل قطار فائق السرعة في أفريقيا. ويربط 21 مطاراً دولياً المغربَ بـ 56 دولة عبر 399 خطّاً جوياً. واستقبل المغرب رقماً قياسياً من الزوار الوافدين بلغ 19.8 مليون زائر في عام 2025، مسجلاً ارتفاعاً سنوياً بنسبة 14%، بما يعكس تنامي الطلب في شِقَّيه التجاري والترفيهي.
وبالنسبة للمستثمرين في البنية التحتية والطاقة واللوجستيات، تَزخَر محفظة المشاريع بفرصٍ واسعة، وتتمحور بصورة متزايدة حول نماذج تعاقدية قابلة للتمويل المصرفي. وتَنتهج الحكومة سياسةً نَشِطة لتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص في قطاعات النقل والماء والنفايات والتعليم والبنية التحتية الاجتماعية، فيما يضطلع صندوق محمد السادس للاستثمار بدور المحفّز لتعبئة رأس المال الخاص، وقد رُصد له اعتماد حكومي ابتدائي قدره 1.5 مليار دولار، ويستهدف اجتذاب 3 مليارات دولار من مستثمري القطاع الخاص.
لا يزال القطب المالي للدار البيضاء يُرسّخ مكانة المغرب بوصفه محوراً إقليمياً للخدمات المالية والمهنية. وقد عدّل قانون المالية لعام 2026 النظامَ الضريبي للعاملين في القطب، إذ يُتيح لهم اختيار معدل ضريبي خاص على الدخل بنسبة 20% لمدة تصل إلى عشر سنوات.
وتستضيف المنصة الخدمات المالية والاستشارية ووظائف الشركات القابضة والمقار الرئيسية، وتُشكّل نقطة انطلاق للشركات المستهدفة أسواق غرب أفريقيا ووسطها. كما يواصل سوق رأس المال الناشئ بالدار البيضاء نموَّه، فيما تَمتلك كبرى المصارف المغربية حضوراً واسعاً في أرجاء القارة الأفريقية.
ومن منظور مجالس الإدارة التي تُعيد تقييم هياكلها الإقليمية، يُتيح القطب المالي للدار البيضاء مركزاً مالياً يستوفي المعايير الدولية ضمن منظومة القانون المدني المغربي، يمكن إدماجه في بِنى متعددة المراكز إلى جانب المنصات الخليجية كمركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبوظبي العالمي (ADGM)، أو توظيفه بوصفه بوابةً قائمة بذاتها إلى أفريقيا الفرنكوفونية والأنغلوفونية على السواء.
في ضوء الإطار السياساتي وبيئة البنية التحتية المذكورين، تَبرُز عدة قطاعات في عام 2026:
يستقطب المغرب استثمارات أجنبية مباشرة متنوعة، تتصدّرها فرنسا برصيدها الاستثماري، تليها مستثمرون من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، وتتركّز الرساميل في الصناعة والعقار والسياحة والاتصالات وقطاعَي الطاقة والتعدين.
ويُتوقَّع أن يرتفع الاستثمار الأجنبي المباشر تدريجياً على المدى المتوسط، بفضل مسار الإصلاحات الجاري وتوسعة البنية التحتية، وفي ظل نظام منفتح بوجه عام للملكية الأجنبية، رغم وجود قيود في قطاعات بعينها ومنها النقل والصيد البحري والأراضي الزراعية والفوسفاط.
ويُعزِّز موقعَ المغرب اندماجُه التجاري القوي عبر أكثر من 50 اتفاقية تبادل حر، بما فيها اتفاقيتاه مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلى جانب التقييمات الخارجية الإيجابية كتقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لعام 2024 بشأن سياسة الاستثمار، حتى مع تَزايُد توجُّه السياسات نحو أنماط تنمية أكثر استدامةً وتوازناً جهوياً.
يُمثّل قانون الشركات الإطارَ الأساسي للهيكل المؤسسي في المغرب، ويُنظِّم الأشكال التجارية الرئيسية، ومنها شركة المساهمة، والشركة ذات المسؤولية المحدودة، وشركة المساهمة المبسطة، والمكاتب الفرعية.
وقد ظلَّت الشركة ذات المسؤولية المحدودة الوعاء القانوني الأكثر شيوعاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. غير أنه في عام 2021، استُحدثت شركة المساهمة المبسطة كشكل قانوني جديد أكثر ملاءمةً لاحتياجات المستثمرين.
أما شركة المساهمة فهي الأنسب للاستثمارات الكبرى، برأسمال لا يقل عن 300,000 درهم مغربي (نحو 30,000 دولار أمريكي)، وعدد مساهمين لا يقل عن خمسة، ومجلس إدارة لا يقل عن ثلاثة أعضاء. ويضمن ميثاق الاستثمار حرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والنفاذ إلى المحاكم الوطنية وإلى التحكيم الدولي في تسوية المنازعات. كما يمكن أن تتضمن اتفاقيات الاستثمار بنوداً تنص على التسوية الودية قبل اللجوء إلى القضاء أو التحكيم، ويجوز تسوية المنازعات مع المستثمرين الأجانب وفقاً للاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، بما فيها اتفاقية واشنطن (إكسيد) واتفاقية نيويورك.
ويَستند النظامُ القانوني المغربي إلى تقاليد القانون المدني الفرنسي، وينتظم في هيكل قضائي ذي درجتين: المحكمة الابتدائية، ومحكمة الاستئناف، ومحكمة النقض.
وتستثمر البلاد في تحديث المنظومة القضائية ورقمنة الإجراءات وتعزيز آليات التنفيذ، في إطار خارطة الطريق الأشمل لإصلاح مناخ الأعمال.
يتعيّن على مجالس الإدارة التي تُقيّم انكشافها على المغرب النظر في جملةٍ من المسائل الجوهرية:
يُمثّل مسار الإصلاح المغربي – المرتكز على ميثاق الاستثمار الجديد، واكتمال توحيد ضريبة الشركات، وبرنامج تحويلي للبنية التحتية – مزيجاً نادراً من النضج المؤسسي وفرص النمو في مرحلة التوسع. ويَتَطلَّب التعامل مع هذه التطورات خبرةً قانونيةً تَشمَل هيكلة الشركات والاستشارات الضريبية وتمويل المشاريع والامتثال التنظيمي وتسوية المنازعات، مع فهم عميق لموقع المغرب ضمن البنى الأوسع للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقارة الأفريقية.
تحظى شركة التميمي ومشاركوه بموقعٍ متميّز يُؤهّلها لتقديم المشورة في كامل نطاق المسائل المؤسسية والتنظيمية والمعاملاتية الناشئة عن المشهد الاستثماري المغربي المتطور. فسواء أكنتم بصدد تأسيس حضور جديد، أم هيكلة مشروع مشترك أو شراكة بين القطاعين العام والخاص، أم تحسين الموقف الضريبي وفق المنظومة الجديدة، أم إدماج عملياتكم المغربية ضمن منصة إقليمية، فإن فريقنا على أتمّ الاستعداد لخدمتكم.
Senior Knowledge Translator