التصفية كأحد أسباب انقضاء الشخصية المعنوية للشركة وفق القانون العراقي

February 18, 2026 (Edited) English

في ديناميكية عالم الأعمال، لا تخلو دورة حياة الشركات من بدايات ونهايات. فكما تنشأ الشركات برأس مال وطموحات، فإنها قد تواجه ظروفاً تقودها إلى نهايتها القانونية. اذ تمثل الشخصية المعنوية للشركات حجر الزاوية في الحياة الاقتصادية والقانونية، حيث تمنح الكيانات التجارية وجوداً مستقلاً يُخولها التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات. غير أن هذه الشخصية، شأنها شأن الشخص الطبيعي، ليست أبدية، بل هي عرضة للزوال بانقضاء الأسباب التي أوجدتها. ويُعد انقضاء الشخصية المعنوية نهاية قانونية لحياة الشركة، تترتب عليها آثار بالغة الأهمية على المساهمين والدائنين والاقتصاد ككل. وتنظم اغلب التشريعات هذه النهاية عبر عدد من الأسباب والحالات يتم النص عليها، يأتي في مقدمتها عملية التصفية، والتي تمثل الآلية القانونية الفعلية لإنهاء وجود الشخصية المعنوية للشركة.

ومن بين حالات الانقضاء التي أقرها التشريع العراقي، لا سيما في قانون الشركات العراقي رقم (21) لسنة 1997 المعدل، تبرز “التصفية” كواحدة من أهم وأكثر الأسباب عملية وتعقيداً. و تشكل المرحلة الأخيرة في حياة الشركة، حيث يتم فيها تصفية أموالها وقضاء ديونها وتوزيع ما تبقى من أصول على أصحاب الحقوق. تشكل التصفية الإطار القانوني المنظم لختام أنشطة الشركة.

يهدف هذا المقال إلى استعراض دور التصفية كحالة من حالات انقضاء الشخصية المعنوية للشركة في القانون العراقي. سنتناول مفهوم التصفية وأهميتها، والأسباب التي تؤدي إليها، والمراحل التي تمر بها، وكيف تشكل هذه العملية الضمانة القانونية لإعلان وفاة الشركة بشكل رسمي ومنظم، يحمي حقوق جميع الأطراف ذات العلاقة.

مفهوم التصفية:

المفهوم القانوني للتصفية تعني حل الشركة واعدام شخصيتها القانونية وتصفية الحقوق والالتزامات التي ترتبت على عاتق الشركة قبل قرار تصفيتها، ضمن إجراءات قانونية تتيح للدائنين وللغير استحصال حقوقهم، وتترتب عليه انتهاء الوجود الفعلي للشركة.

فالتصفية اذا هي الآلية القانونية المنظمة لإنهاء حياة الشركة وبيع أملاكها وقضاء ديونها وتوزيع ما تبقى من أصول على أصحاب الحقوق (المساهمين أو الشركاء) فهي تعتبر المرحلة الأخيرة في حياة الشخصية المعنوية للشركة. لا تنقضي شخصية الشركة بمجرد اتخاذ قرار حلها، بل تظل قائمة شخصية اعتبارية منقضة (في طور الانقضاء) لغاية انتهاء عملية التصفية.

وقد تكون لعميلة التصفية اهداف أساسية يمكن ايجازها:

  • تحقيق الأصول: تحويل جميع أصول الشركة (عقارات، آلات، أسهم، ذمم مدينة) إلى نقد (سيولة مالية).
  • سداد الالتزامات: استخدام هذه الأموال لسداد ديون الشركة للدائنين بحسب القانون.
  • توزيع الباقي: توزيع ما تبقى من أموال على المساهمين أو الشركاء بنسبة حصصهم.
  • الشطب النهائي: بعد انتهاء جميع هذه الإجراءات، يتم شطب الشركة من السجل التجاري، وعند هذه اللحظة تنقضي شخصيتها المعنوية بشكل نهائي وتزول من الوجود القانوني.

تقسم التصفية الى نوعين تبعاً لأسبابها (التي سيتم بيانها لاحقاً) ، فقد تكون تصفية اختيارية وذلك بقرار من الهيأة العامة المؤلفة من المساهمين اذ يمكن للهيئة العامة وبتحقق النصاب القانون للانعقاد (اغلبية مالكي الأسهم ) ان يقرروا وبأغلبية أصوات الحاضرين تصفية الشركة وتعين مصفي للقيام بإجراءات التصفية، او قد تكون تصفية اجبارية وذلك عند تحقق أيا من الأسباب التي حددها القانون لوجوب التصفية.

وتختلف التصفية عن غيرها من الحالات لانقضاء الشخصية المعنوية للشركة كما هو في القانون العراقي وهي الاندماج والتحول والاتحاد،, فوفقا لنص الفقرة رابعا /147 من القانون فان اندماج الشركة او تحولها يؤدي الى انقضاء شخصيتها، والاندماج عبارة عن عقد بين شركتين او أكثر بان تكون شركة او اكثر متحدة مع الشركة الأخرى فتزول شخصيها وتنتقل اصولها وخصومها وديونها الى الشركة الأخرى، وتتم عملية الدمج بان تنظم شركة تسمى الشركة المنضمة الى أخرى وتمسى الضامة ويترتب عليه زوال شخصيه الشركة المنضمة وتبقى الشركة الضامة محتفظة بشخصيها المعنوية على ان تقوم بتعديل عقدها ووثائقها لتنسجم مع وضعها الجديد. وهذا الحالة هي الأكثر وقوعا من الناحية العملية حيث تستولي شركة قوية وذات اهميه اقتصاديه أكبر على شركة تكون دونها في الأهمية.

او قد يكون الدمج باتحاد شركتين او أكثر بهدف تكوين كيان جديد ذا شخصيه معنويه جديدة يختلف عن الكيانات المؤسسة له في الأصل

اما التحول فهو تغيير في نوع الشركة الى نوع اخر والغاية منه تغيير الشكل القانوني للشركة بما يسمح للشركاء بتطوير وتنمية الشركة، وقد قيدت المادة 153 من القانون التحول بمحددات وشروط هي :

اولا : لا يجوز تحول الشركة المساهمة إلى محدودة او تضامنية او إلى مشروع فردي ولا الشركة المحدودة إلى تضامنية.)

ثانيا – لا يجوز تحول الشركة المحدودة او التضامنية إلى مشروع فردي الا في حالة نقصان عدد أعضاءها إلى شريك واحد.

ثالثا – لا يجوز تحول الشركة المساهمة، او المحدودة، او التضامنية او المشروع الفردي إلى شركة بسيطة

وفي كلا حالتي الدمج والتحول فان القرار يُتخذ من قبل الهياة العامة في الشركة.

إذاً، الفارق الأهم هو أن التصفية تنهي الشخصية المعنوية، بينما الاندماج والاتحاد والتحول تحافظ فيهم الشركة على شخصيتها القانونية او انها تنقلب إلى كيان آخر، مما يعني استمرارية النشاط والالتزامات والحقوق بشكل أو بآخر

   الأسباب التصفية:

التصفية هي ليست مجرد رغبة المساهمين في انهاء وجود الشراكة بينهم وانهاء العلاقة التجارية القائمة، بل قد تكون للتصفية أسباب تم تحديدها بموجب القانون وذلك لغايات تنظيمية او اقتصادية ، ومن الأسباب التي نص عليها القانون النافذ هي :

  • عدم مباشرة الشركة نشاطها رغم مرور سنتين على تأسيسها دون عذر مشروع
  • توقف الشركة عن ممارسة نشاطها مدة متصلة تزيد على سنتين دون عذر مشروع
  •  انجاز الشركة للمشروع الذي تأسست لتنفيذه او استحالة تنفيذه
  • فقدان الشركة 75% من راس مالها الاسمي دون اتخاذ ما يتطلبه القانون من إجراءات.
  • بقرار من الهيئة العامة للشركة .

وعليه فان هذه  الأسباب ( 1-4) تتعلق بمسائل تنظيمية اوجدها القانون لضبط سياق الحياة الاقتصادية والاعمال للشركات فليس من المسوغ عمليا ان تتوقف الشركة عن العمل او لا تمارس نشاطها لمدة سنتين او ان تنجز المشروع الذي تأسست من اجله وتبقى لحالها ،لذا نص القانون على هذا الأسباب ليتيح فاعليه اكثر في ضبط نشاط الشركات في السوق، فان تحققت هذا الأسباب فان الانقضاء ينهي حياة الشخصية المعنوية ويترتب على عليها تصفيتها .

وتجدر الإشارة الى تحقق الحالات أعلاه لا يرتب بشكل تلقائي انقضاء الشخصية دون المرور بإجراءات نص عليها القانون، فقد اشارت المادة 158 من قانون الشركات (اذا تحقق سبب من الأسباب المنصوص عليها في الفقرات.. واوصت الجمعية العمومية بتصفية الشركة.. الخ) ونتيجة لذلك فان قرار الجمعية العامة /الهيئة العامة للشركة بتصفية الشركة يكون مطلوبا وضروري، انما يمكن الاستناد الى أحد الأسباب أعلاه في تسبيب قرار التصفية.

مراحل التصفية

تمر التصفية بمراحل إجرائية وتنفيذية فالإجرائية تتمثل بقرار الهيئة العامة بالتصفية وموافقة مسجل الشركات وإصدار قراره بالتصفية واستحصال الموافقات الأصولية. اما التنفيذية فهي تتمثل بما يقوم به المصفي من واجبات قانونية وحسابية ـ اذ يقوم بجرد الأصول والديون ، وبيع الموجودات ان وجدت واستحصال الديون وسداد ديون الدائنين ، توزيع الباقي واعداد الحساب الختامي .

والوضع القانوني للشركة خلال التصفية واثارها.

بعد قرار مسجل الشركات بوضع الشركة تحت التصفية طبقا لأحكام المادة 160 من القانون ،حيث يتحول الوضع القانوني للشركة فهي وان بقيت محتفظة بشخصيتها المعنوية قائمة ولكن ليس بشكل كامل وانما بالقدر الذي يتيح اكمال عملية التصفية ،وذلك ان قرار الهياة العامة بالشركة بتصفية الشركة قد رتب بعض الاثار القانونية التي جعلت الطبيعة القانونية لشخص الشركة تتبدل سعيا الى انهاء الشخصية وحل الشركة تماما، والسؤال هنا عن إمكانية الشركة بعقد الصفقات او الاتفاقيات او التصرف بالأموال وهل تكون اهلا لأبرام العقود وتحمل الالتزامات  او ممارسة جميع صلاحياتها وهل يبقى المدير المفوض قادرا عن التعبير عن إرادة الشخصية المعنوية للشركة ؟

والجواب ان نص المادة 163 من القانون واضح في حكمه حيث جاء بـ “تتوقف الشركة فور تبليغها بقرار التصفية ,عن احداث تغيير في عضويتها وعن ترتيب أي التزام جديد ويستمر نشاطها بالقدر اللازم لإيفاء التزاماتها وفق ما تقتضيه اعمال التصفية ”  أي ان بقاء الشركة وكيانها المعنوي محصور في إتمام مهمة عمليه التصفية وما تقتضيه من الايفاء بالالتزامات والحقوق التي ترتبت على كاهلها وان أي تصرف مالي وعقد يكون محل طعن بالبطال في ابرامه , كما ان مهمة المدير المفوض تنتهي من تاريخ تبلغه بقرار التصفية وتنتقل جميع الصلاحيات التي كان يتمتع بها  الى المصفي المعُيّن من قبل مسجل الشركات ( الدائرة المشرفة على تنفيذ احكام التصفية ) وعليه فان الوضع القانوني للشركة في اثناء عملية التصفية وضعا خاصا املتهُ الطبيعة القانونية والتجارية للشركة , وضعا تقوم فيه دائرة مسجل الشركات ومن اجل الحفاظ على حقوق الغير وحفظ سلامة التعاملات التجارية، بالأشراف  على إجراءات التصفية وما تتطلبها من القرارات  لغرض جعل الشركة التي امست قريبة من انحلالها وانقضاها قادرة على ايفاء الالتزامات وارجاع الحقوق وتصفية جميع شؤونها , وهو وضع تكون دائرة مسجل الشركات وهي الجهه التي اوجدت الشخصية القانونية للشركة , صاحبة اليد الطولى في ضبط تصرفات الشركة من خلال العملية التي يقوم بها المصفي .

يبقى الهدف الأسمى من تنظيم التصفية هو حماية الاستقرار الاقتصادي وضمان حقوق الأطراف كافة.

حالات خاصة للتصفية

ثمة حالات خاصه للتصفية تخص المصارف بموجب قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004حيث نصت المادة 68 منه على نوعين من التصفية، اما بناء على قرار ملاك المصرف او التصفية القسرية بناء على قرار البنك المركزي العراقي وكما يلي :

  • بقرار من المصرف: اباح القانون للمساهمين أو المالكين أن يقرروا حل المصرف وتصفيته، شريطة موافقة البنك المركزي العراقي لضمان حماية أموال المودعين.
  • للبنك المركزي سلطة إلغاء إجازة أي مصرف إذا خالف القوانين أو أصبح في وضع مالي متعثر، وفقا لأحكام المادة 13
  • العجز المالي الجسيم أو الإفلاس إذا تبين أن المصرف غير قادر على الوفاء بالتزاماته , يتدخل البنك المركزي ويقرر التصفية الإجبارية لحماية الثقة بالنظام المصرفي وفق احكام الإفلاس الخاصة بقانون المصارف .

أخيرا فإن التصفية تمثل الآلية القانونية لإنهاء حياة الشخص المعنوي سواء كان شركة أو مصرفاً. وقد عالج المشرّع العراقي هذه المسألة بتوازن بين مصلحة الشركاء والدائنين من جهة، والمصلحة الاقتصادية العامة من جهة أخرى، خاصة في قطاع المصارف الذي يُعد شريان الاقتصاد. ويبقى الهدف الأسمى من تنظيم التصفية هو حماية الاستقرار الاقتصادي وضمان حقوق الأطراف كافة