توسيع نطاق التعويض عن الضرر المعنوي بموجب قانون المعاملات المدنية الجديد – أحدث الأحكام القضائية في دولة الإمارات العربية المتحدة

May 6, 2026 (Edited) Original Copy

عبر مختلف الأنظمة القانونية، أقرت التشريعات والممارسات القضائية باستمرار بأن التعويض ينبغي أن يمتد ليشمل أسرة المصاب وأحباءه وأقاربه، وذلك بهدف التخفيف من الألم والمعاناة التي تلحق بهم نتيجة إصابة المجني عليه بضرر جسدي أو وفاته في حادث. ويُعد هذا النوع من الضرر ضمن مفهوم الضرر المعنوي.

وقد نظم قانون المعاملات المدنية الاتحادي السابق رقم 5 لسنة 1985 (“القانون السابق”) بعض جوانب التعويض عن هذا النوع من الضرر لصالح الأزواج والأقارب، في حين ترك جوانب أخرى دون تنظيم، مما أدى إلى تباين في تطبيق النصوص القانونية ذات الصلة. فقد نصت المادة 293(2) من القانون السابق على ما يلي:

يجوز أن يقضي بالضمان للأزواج والأقربين من الاسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب”.

وبموجب هذا النص، كان حق الأزواج والأقارب في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي مقصوراً على حالة واحدة، وهي إذا أدت الإصابة الجسدية إلى وفاة المصاب. أما إذا أسفرت الإصابة عن تشوه جسدي أو عجز، وتعرض أحد أقارب المصاب لضرر معنوي نتيجة لذلك، فإنه لا يكون له صفة في المطالبة بالتعويض، إذ إن النص الصريح في القانون السابق كان يحول دون ذلك. وقد أدى هذا إلى تباين في الأحكام القضائية، كما يتضح فيما يلي.

التباين القضائي في ظل القانون السابق

محكمة النقض في أبوظبي

ذهبت محكمة النقض في أبوظبي – وأيدتها في ذلك المحكمة الاتحادية العليا – إلى أن المادة 293(2) من القانون السابق لا تصلح أساساً للحكم بالتعويض في حالات الإصابة الجسدية غير المميتة. وقد جاء في أحد أحكامها:

” ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن المشرع بعد أن قرر مبدأ التعويض عن الضرر الأدبي بيّن من يحق له المطالبة به وهو المضرور وكذلك من يضار أدبيا بسبب موت المصاب من أزواج وأقارب، ومن ثم فإنه إذا ظل المصاب على قيد الحياة فإن هؤلاء لا يستحقون تعويضا عن الضرر الأدبي بسبب إصابته …”.

(محكمة النقض في أبوظبي — الطعنان رقما 113 و114 لسنة 2016، حكم 19 فبراير 2017؛ المحكمة الاتحادية العليا، الطعون أرقام 134 و137 و138 لسنة 20 قضائية [مدني])

محكمة النقض في دبي

في المقابل، تبنت محكمة النقض في دبي اتجاهاً مغايراً. فقد أقرت، في خط قضائي مستقر، حق الأزواج وأفراد أسرة المصاب في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن إصابته حتى وإن لم تؤدِ إلى وفاته.

ورأت المحكمة أن المادة 293 من القانون السابق تنحصر في تحديد من يحق لهم المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي في حالة وفاة المصاب، وهم الأزواج والأقارب، دون أن تتناول الحالات الأخرى. ولم يكن هدف النص حصر أسباب المطالبة في الوفاة، وإنما تحديد الفئات المستحقة في تلك الحالة، انسجاماً مع المبدأ العام الذي يقضي بأن يشمل التعويض كافة الأضرار الفعلية.

وبناءً عليه، قضت المحكمة بأحقية القريب في التعويض عن المعاناة الناتجة عن إصابة المصاب، سواء أدت إلى الوفاة أم لا. وجاء في أحد أحكامها:

“أن المشرع أجاز التعويض عن الضرر الأدبي دون تخصيص، ثم قيد هذا الحق من حيث مستحقيه فقصره في حالة الوفاة على الأزواج والأقربين من الأسرة، وهو تحديد لأشخاص من يحق لهم التعويض عن الضرر الأدبي وليس تحديدا لحالات وأسباب استحقاقه وهو ما ينطبق بدوره – من باب أولى- على تحديد المستحقين للتعويض عن هذا الضرر الأدبي في حالة الإصابة ولو لم تؤد إلى الوفاة، ومن المقرر أيضا أن إصابة الشخص بأضرار جسدية يؤدي بطريق اللزوم العقلي بأضرار معنوية له ولأفراد الأسرة التي ينتمي إليها، وتقدير التعويض في هذه الحالة هو مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع ..

(محكمة النقض في دبي — الطعن رقم 307 لسنة 2014، حكم 8 يناير 2015)

وقد اتجه هذا النهج إلى توسيع نطاق الأشخاص المستحقين للتعويض عن إصابات المصاب الجسدية. فالأشخاص المقربون من المصاب سيستمرون في مشاهدة معاناته مع الشلل أو الإعاقة الجسدية الجسيمة — وهو مصدر مستمر للألم — حتى وإن لم يكونوا مصنفين رسمياً كأزواج أو أقارب ضمن درجة محددة. ولا شك أن وفاة شخص عزيز مؤلمة، إلا أنها قد تكون أقل وطأة من مشاهدة شخص يعاني من عجز دائم، حيث يتجدد الألم مع كل لقاء.

ورغم وجاهة هذه المبررات لتوسيع نطاق التطبيق بما يخدم المستحقين، فإن النص التشريعي كان بحاجة إلى تعديل لتوحيد التطبيق القضائي وتحقيق الاتساق بين المحاكم الاتحادية والمحلية، وهو ما دعت إليه العديد من الدراسات القانونية.

الإصلاح التشريعي: المادة 254(2) من قانون المعاملات المدنية الجديد رقم 25 لسنة 2025

تدخل المشرّع أخيراً بإصدار قانون المعاملات المدنية رقم 25 لسنة 2025 (“القانون الجديد”)، حيث قام بتعديل الصياغة التشريعية — معتمداً ذات المقترحات التي طُرحت في الكتابات الفقهية — لتمديد التعويض عن الضرر المعنوي ليشمل حالتي العجز والوفاة.

وقد نصت المادة 254(2) من القانون الجديد على ما يلي:

 يجوز أن يُقضى بالتعويض للأزواج وللأقربين من الأسرة إلى الدرجة الثانية عمّا يصيبهم من ضرر أدبي بسبب عجز المصاب أو موته“.

وقد حدد المشرّع صراحة درجة القرابة المطلوبة حتى الدرجة الثانية، وتشمل على سبيل المثال: الأب، الأم، الابن، الابنة، الأخ، الأخت، الجد، الجدة، والأحفاد. وعليه، فإن الأشخاص المستحقين لهذا النوع من التعويض هم:

  • الأزواج: الزوج أو الزوجة (أو الزوجات في حال التعدد) يحق لهم المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن وفاة أو عجز الزوج.
  • الأقارب حتى الدرجة الثانية: تنص المادة 76 من قانون المعاملات المدنية على أن أسرة الشخص تشمل ذوي قرباه، وأن القرابة تقوم بين كل من يجمعهم أصل مشترك. وبالتالي، لم يعد تحديد درجة القرابة مسألة تقديرية للمحكمة، بل أصبح محدداً بنص القانون.

كما تنظم المواد 77 و78 و79 من القانون الجديد مفهوم القرابة وكيفية احتساب درجاتها. وباختصار، تشمل القرابة: القرابة المباشرة (مثل العلاقة بين الأصول والفروع) والقرابة الجانبية (مثل العلاقة بين الإخوة). أما قرابة المصاهرة والرضاع والعلاقات المماثلة، فلا تندرج ضمن نطاق المادة 254(2)، لعدم وجود أصل مشترك وفقاً للمادة 76.

آثار التعديل

يترتب على تطبيق التعديلات الواردة في المادة 254(2) من القانون الجديد نتيجتان عمليتان رئيسيتان:

1. التقييد بدرجة القرابة
سترفض المحاكم أي مطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن وفاة أو عجز المصاب إذا تجاوزت درجة قرابة المطالب الدرجة الثانية. ويستند هذا التوجه إلى عدد من التشريعات العربية المقارنة، مثل القانون المدني المصري والكويتي والقطري، في حين أن بعض التشريعات الأخرى لا تفرض هذا القيد.

ورغم أن هذا التحديد يسهم في سهولة التطبيق، إلا أنه قد يحد من سلطة المحكمة في تحقيق العدالة، إذ قد تنشأ حالات يكون فيها قريب من الدرجة الثالثة أو الرابعة، رغم بعده الشكلي، مرتبطاً فعلياً بالمصاب ارتباطاً وثيقاً بسبب ظروف معينة، مما يجعله يتعرض لضرر معنوي حقيقي نتيجة الحادث. لذا، قد يكون من الأفضل إما عدم تحديد درجة القرابة، كما كان الحال في القانون السابق، أو الإبقاء على الدرجة الثانية كقاعدة عامة مع منح المحكمة سلطة تقديرية لتجاوزها في الحالات الاستثنائية.

2. التمديد ليشمل العجز

أصبح للمستحقين بموجب المادة 254(2) الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي بسبب عجز المصاب. إلا أن النص لم يحدد درجة العجز (كلي أو جزئي) أو طبيعته (مؤقت أو دائم)، مما يترك تقدير ذلك لسلطة المحكمة وفقاً لظروف كل حالة.

الخلاصة

يمثل التعديل التشريعي الذي جاءت به المادة 254(2) من القانون الجديد خطوة مهمة طال انتظارها في تطوير أحكام المسؤولية المدنية في دولة الإمارات. فمن خلال توسيع نطاق المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي ليشمل حالات العجز، وليس فقط الوفاة، يكون المشرّع قد واءم الإطار التشريعي مع النهج القضائي الأكثر تقدماً وعدالة الذي تبنته محكمة النقض في دبي، كما أنه أنهى حالة التباين التي كانت قائمة بين المحاكم.

وبذلك، يوفر القانون الجديد إطاراً أكثر وضوحاً واتساقاً لتقدير ومنح التعويض عن الضرر المعنوي الناشئ عن الإصابات الجسدية في دولة الإمارات، بما يحقق أهداف العدالة والاتساق وجبر الضرر بشكل كامل.

الكتّاب
Mohamed Al Marzouqi

Partner,
Head of Office – Abu Dhabi,
Co Head of Dispute Resolution

m.almarzouqi@tamimi.com View LinkedIn Profile
Zane Anani

Senior Knowledge Lawyer (Consultant)

z.anani@tamimi.com View LinkedIn Profile