مسؤولية الناقل البحري عن هلاك أو تلف وتأخير البضائع في ضوء أحكام القانون البحري العُماني

February 18, 2026 (Edited) English
الكتّاب

المقدمة

يُعدّ موضوع مسؤولية الناقل البحري من أهم موضوعات القانون البحري بوجه عام، ومن أبرز المسائل التي يثيرها عقد النقل البحري للبضائع بوجه خاص. فهذا العقد يُنشئ في ذمة الناقل التزاماً جوهرياً يتمثل في نقل البضائع وتسليمها إلى المرسل إليه سليمة من أي تلف أو هلاك، وفي المكان والزمان المحددين بالعقد. ولأن هذا الالتزام من الالتزامات التي يتحملها الناقل بنتيجة لا بوسيلة، فإن أي إخلال به يترتب عليه قيام المسؤولية القانونية متى تحقق الضرر، سواء كان الخطأ صادراً من الناقل نفسه أو من أحد تابعيه.

ومن ثم، فإن الناقل البحري يُسأل عن كل ضرر يلحق بالبضائع المنقولة متى تحقق الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم، باعتبار أن الغاية من عقد النقل هي إيصال البضائع إلى المرسل إليه بالكيفية والموعد المتفق عليهما. وتنبع أهمية دراسة هذه المسؤولية من كونها تمس جوهر النشاط البحري التجاري، الذي يعد من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني والتبادل الدولي. وقد أولى المشرّع العُماني هذا الموضوع عناية خاصة، فجاء القانون البحري ليضع أحكاماً دقيقة توازن بين حقوق الناقل والشاحن والمرسل إليه.

وسنتناول في هذا المقال أهم حالات مسؤولية الناقل البحري كما نظمها القانون البحري العُماني، وذلك من خلال مبحثين رئيسين: نتناول في أولهما مسؤولية الناقل في حالة هلاك أو تلف البضاعة، ثم نعرض في الثاني لمسؤوليته في حالة التأخير في تسليمها، وصولاً إلى خاتمة تُبرز النتائج المستخلصة من هذا التنظيم التشريعي.

أولاً: مسؤولية الناقل البحري في حالة هلاك أو تلف البضاعة

يلتزم الناقل البحري بموجب عقد النقل بتسليم المرسل إليه البضاعة بالحالة ذاتها التي تسلّمها بها من الشاحن أو وكيله، وبالكمية المثبتة في سند الشحن. وقد نصت المادة (206) من القانون البحري العُماني على أن الناقل يكون مسئولاً عن هلاك البضاعة أو تلفها إذا وقع ذلك في الفترة الممتدة بين تسلّمه للبضائع في ميناء الشحن وتسليمها في ميناء التفريغ إلى المرسل إليه. ويترتب على ذلك أن الناقل يسأل عن كل فقدٍ كليٍّ أو جزئيٍّ للبضاعة، كما يسأل عن كل تلفٍ يصيبها سواءً كلها أو جزءاً منها، بما في ذلك النقص في الوزن أو العدد ما لم يكن النقص ناشئاً عن “عجز الطريق” الطبيعي الذي يصيب بعض أنواع البضائع أثناء النقل. ويُقدّر هذا العجز وفقاً لطبيعة البضاعة؛ فإذا كانت سوائل، جاز أن يتبخر منها جزء بسبب العوامل الجوية، أما إذا كانت حبوباً، فيجوز أن يتسرب منها قدر يسير أثناء عمليات الشحن أو التفريغ.

ولم يحدد القانون وسيلةً خاصةً لإثبات هذا العجز، فترك لقاضي الموضوع السلطة التقديرية الكاملة لتحديد وسيلة الإثبات المناسبة في ضوء ظروف الواقعة. وقد يتضمن سند الشحن تحفظاتٍ يُدرجها الناقل بشأن حالة البضاعة أو كميتها أو وزنها، وفي هذه الحالة يُفترض أن النقص أو التلف سابقٌ على تسلّم الناقل لها، ويقع على عاتق المرسل إليه عبء إثبات العكس. أما إذا خلا سند الشحن من ذكر كمية البضاعة كلياً، فلا يُسأل الناقل عن النقص فيها، على اعتبار أنه تسلمها كما هي عند شحنها، إلا إذا أثبت المرسل إليه أن القدر المشحون كان أكبر من القدر المسلم إليه، وله في ذلك جميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً.

أما إذا كان سند الشحن “نظيفاً” أي خالياً من الملاحظات أو التحفظات، فإنه يُعتبر قرينةً على أن الناقل تسلّم البضاعة بالحالة المثبتة فيه، وتقوم مسؤوليته عن أي هلاكٍ أو تلفٍ يقع أثناء تنفيذ عقد النقل دون حاجةٍ إلى إثبات خطئه. ولا تُرفع عنه المسؤولية إلا إذا أثبت أن الهلاك أو التلف نشأ عن عيبٍ في البضاعة أو عن سببٍ قاهرٍ أو عن خطأ الشاحن نفسه.

وقد عالج القانون البحري في المادة (207) حالة اعتبار البضاعة هالكة، حيث نص على أنه إذا لم تُسلّم البضاعة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ انقضاء ميعاد التسليم المحدد بالمادة (208)، اعتُبرت كأنها قد هلكت. وهو ما يعني أن التأخير الطويل في التسليم يُعد بمثابة هلاكٍ قانونيٍّ للبضاعة.

كما ألزم المشرع المرسل إليه بإخطار الناقل كتابياً في حال هلاك البضاعة أو تلفها، محدداً لذلك مواعيد دقيقة يجب الالتزام بها. فإذا كان الهلاك أو التلف ظاهراً، وجب على المرسل إليه إخطار الناقل خلال يومي عمل من تاريخ تسلم البضاعة، وإلا افترض أنها سُلّمت سليمةً بالحالة المثبتة في سند الشحن، ما لم يُقم الدليل على العكس. أما إذا كان التلف غير ظاهر، فيجوز تقديم الإخطار خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التسليم. وهذه الأحكام وردت في المادة (217) من القانون البحري، والتي أقامت قرينةً بسيطةً على سلامة البضاعة عند عدم الإخطار، وهي قرينةٌ يجوز إثبات عكسها بكافة وسائل الإثبات.

وقد لاحظ الفقه أن نص المادة (217) لم يميز صراحةً بين التلف الظاهر وغير الظاهر في شأن القرينة، ولذا اتجه جانبٌ كبيرٌ من الفقه والقضاء إلى تطبيق الحكم ذاته في الحالتين، مراعاةً لعدالة المراكز القانونية للطرفين.

إلا أن المشرع العُماني أعفى المرسل إليه من تقديم الإخطار في حالة إجراء معاينةٍ للبضاعة بحضور الناقل أو نائبه عند التسليم، حيث تُثبت حالتها بمحضرٍ رسميٍّ، وبذلك تنتفي الحاجة إلى الإخطار الكتابي. وقد نصت على ذلك الفقرة الثالثة من المادة (217) التي أوضحت أن إجراء المعاينة بحضور الطرفين يُغني عن الإخطار.

أما من حيث تقدير التعويض، فقد حددت الفقرة الأولى من المادة (212) من القانون البحري معياراً دقيقاً لتحديد مسؤولية الناقل عن هلاك البضائع أو تلفها أو فقدانها، حيث نصت على ألا تتجاوز قيمة التعويض (500) خمسمائة ريال عماني عن كل طردٍ أو وحدة شحنٍ أو (5) خمس ريالات عمانية عن كل كيلوغرام من الوزن الإجمالي للبضاعة، أيهما أعلى. كما اعتبر المشرع أن الطرود أو وحدات الشحن التي يتم تجميعها في حاويات تُعد طرداً أو وحدةً مستقلة عند التعويض عنها في حالة هلاك الحاوية، بشرط أن يُذكر في سند الشحن عدد الطرود أو الوحدات داخل الحاوية، أما إذا لم يُذكر ذلك، فتُعد الحاوية طرداً واحداً. وإذا كانت الحاوية مقدمة من الشاحن، تُحسب كطردٍ له، أما إذا كانت مقدمةً من الناقل فلا تُحتسب عند التعويض.

ثانياً: مسؤولية الناقل البحري في حالة التأخير في تسليم البضاعة

يسأل الناقل البحري كذلك عن التأخير في تسليم البضاعة إلى المرسل إليه، سواءً كان ميعاد التسليم محدداً بسند الشحن أم لم يكن. فإذا حُدد الميعاد في سند الشحن ولم يلتزم الناقل به، قامت مسؤوليته مباشرةً عن التأخير. أما إذا لم يُحدد الميعاد، فإن مسؤولية الناقل تُقدّر وفقاً لما جرى عليه العرف بشأن نوع البضاعة وطبيعة النقل وظروف الرحلة البحرية.

وقد تناولت المادة (208) من القانون البحري هذه الحالة بوضوحٍ، حيث نصت على أن الناقل يكون مسئولاً عن التأخير في تسليم البضائع بميناء التفريغ، ويُعتبر متأخراً إذا لم يسلم البضائع في الميعاد المتفق عليه أو في الميعاد الذي يسلمها فيه الناقل العادي في الظروف المماثلة عند عدم وجود اتفاق. كما أوجبت المادة على الشاحن أن يُخطر الناقل كتابياً بالتأخير خلال ثلاثين يوماً من تاريخ ميعاد التسليم، ورتبت على عدم الإخطار سقوط حق الشاحن في المطالبة بأي تعويض عن التأخير.

أما عن تقدير التعويض في حالة التأخير، فقد نصت الفقرة الثانية من المادة (212) من القانون البحري على أن مسؤولية الناقل تُحدد بمبلغٍ يعادل مرتين ونصف أجرة النقل المستحقة عن البضاعة المتأخرة، على ألا يتجاوز هذا التعويض الحد الأقصى الوارد في الفقرة الأولى من المادة ذاتها. ويعكس هذا التنظيم دقة المشرع العُماني في تحقيق التوازن بين حماية مصالح الشاحن من جهة، وعدم إثقال كاهل الناقل بمسؤولية غير محدودة من جهةٍ أخرى.

الكتّاب
يلتزم الناقل بتسليم المرسل إليه البضاعة بالحالة والكميّة التي تسلّمها بها من الشاحن، كما هو مثبت في سند الشحن، ويكون مسئولاً عن أي هلاك أو تلف يقع أثناء فترة النقل.

الخاتمة

يتضح من خلال استقراء نصوص القانون البحري العُماني أن المشرع قد وضع تنظيماً دقيقاً لمسؤولية الناقل البحري، يحقق التوازن بين مصالح كلٍّ من الشاحن والناقل، ويضمن استقرار المعاملات البحرية الدولية. فقد قرر مسؤولية الناقل عن هلاك البضائع أو تلفها أو تأخير تسليمها، مع وضع ضوابط دقيقة لإثبات هذه المسؤولية ومواعيد محددة للإخطار بها، فضلاً عن تحديد سقفٍ للتعويض بما يمنع المغالاة ويحافظ على عدالة التعامل التجاري.