الفوائد المصرفية ووجوب تدخل “الهيئة العامة لمحكمة التمييز” لتوحيد المبادئ القانونية الصادرة بخصوصها

February 18, 2026 (Edited) English
الكتّاب

من المتعارف عليه في جميع دول العالم أن القطاع المصرفي بشقية التقليدي والإسلامي يشكل العصب الأساسي للاقتصاد في جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى، بما يوفره من خدمات تمويل للاستثمارات المختلفة المحلية منها والدولية أيضاً وما يوفره من خدمات نقل لعائدات الاستثمار وأدواته (الأموال)، وهو في ذات الوقت قطاع تجاري استثماري يهدف إلى تحقيق الربح.

انطلاقاً من أهمية هذا القطاع، فقد حرصت جميع دول العالم (بما فيها دولة قطر) على خلق بيئة تشريعية تضمن ثباته واستمراريته من خلال إيجاد أساس قانوني للدخل الذي يحققه القطاع المصرفي كقطاع استثماري رئيس، والذي يرتكز بشكل أساسي على الفوائد المصرفية التي تفرضها البنوك على عملائها بموجب عقود القروض أو التسهيلات المصرفية على حد سواء.

وفيما يتعلق بالفوائد المصرفية، ونظراً لعدم وجود نص قانوني حاسم في قانون التجارة القطري يحكم موضوع “الفوائد المصرفية” فيتوجب الانتقال إلى قانون مصرف قطر المركزي رقم 13 لسنة 2012، الذي نظم أعمال المصارف ومنها ما يتعلق بالفوائد المصرفية، حيث نص في المادة /70/ منه على أن الفوائد التي يتم الاتفاق في العقود المبرمة بين المصارف وعملائها هي التي تسري عليهما، سواء أثناء عمر القرض أو عند إعادة الجدولة وحتى بعد تعثر المقترض وتوقفه عن السداد، وفي حال عدم وجود اتفاق على نسبة معينة للفوائد فإن الفوائد التي تطبق هي الفوائد التي يحددها ويعلن عنها مصرف قطر المركزي من وقت لآخر، حيث تنص المادة /70/ من القانون على ما يلي:

“للمصرف ضبط أسعار العوائد والفوائد وشروط منح القروض وقبول الودائع في مختلف المؤسسات المالية.

وتسري الفائدة أو العائد الذي يحدده المصرف على التسهيلات الائتمانية المتعثرة أو المعاد جدولتها، ما لم يتم الاتفاق بين المؤسسات المالية المقرضة وعملائها على سعر آخر”

بالرغم من وضوح النص في قانون مصرف قطر المركزي السابق رقم 33 لسنة 2006 والحالي رقم 13 لسنة 2012، على السماح بتطبيق نسبة الفوائد المتفق عليها في عقود التسهيلات والقروض، إلا أن المحاكم القطرية ما تزال حتى تاريخه تتبنى في بعض أحكامها وجهة نظر محافظة فيما يتعلق بتطبيق الفوائد، مما أدى إلى صدور أحكام قضائية متناقضة بهذا الخصوص!!

فحتى عام 2010 درجت المحاكم القطرية في معظم احكامها على الحكم بإلزام المقترض بدفع أصل قيمة القرض، ولكنها كانت ترفض الحكم بالفوائد المتفق عليها في عقد القرض، وكان هذا التوجه يستند إلى أحكام المادة 568 من القانون المدني التي تنص على ما يلي:

“إذا اشترط في عقد القرض منفعة زائدة على مقتضى عقد القرض، عدا ضمان حق المقرض، بطل الشرط وصح العقد

وفي عام 2010 أصدرت محكمة التمييز القطرية حكماً قضائياً أقرت فيه بحق البنوك في تطبيق الفوائد المتفق عليها في العقد، ولكنها ميزت بين نوعين من الفوائد هي “الفوائد الاتفاقية/التعويضية” و “فوائد تأخير”. وفقًا لتعريف المحكمة، واستناداً إلى هذا الحكم بدأت المحاكم القطرية بالحكم للبنوك بأصل مبلغ القرض مع الفوائد المترتبة على القرض حتى تاريخ المطالبة القضائية (رفع الدعوى). أما فيما يتعلق بـالمطالبة بالفوائد عن الفترة اللاحقة للمطالبة القضائية وحتى السداد التام، فقد كانت المحاكم تقوم بتكييفها على أنها مطالبة بالتعويض عن التأخير في السداد، وبدلاً من الحكم بالفائدة وفق النسبة المتفق عليها في عقد القرض حتى تاريخ السداد التام، حيث درجت المحاكم على الحكم بمبلغ مقطوع كانت المحاكم تسميه تعويضاً جابراً للضرر على أساس المسؤولية التقصيرية وليس على أساس المسؤولية العقدية.

في عام 2020 أصدرت محكمة التمييز القطرية حكماً غاية في الأهمية قررت فيه أن حساب قيمة الفوائد – سواء كانت اتفاقية/تعويضية أو تأخيرية – يجب أن يتم وفق ما هو متفق عليه في عقد القرض، وأكدت فيه بأن النهج الذي تنتهجه المحاكم لناحية اعتبار طلب الفوائد على التسهيلات الائتمانية هو بمثابة طلب التعويض عن العمل غير المشروع المتمثل في عدم الوفاء والتأخر في السداد، هو نهج خاطئ ويعتبر قصوراً في الحكم في حال كان الطرفان قد اتفقا خطياً في عقد القرض على تحديد مقدار الفائدة وكيفية حسابها.  وأسهبت محكمة التمييز في الشرح بأن المشرع القطري قد خص كل من المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية بأحكام خاصة بكل منهما تستقل بها عن الأخرى، وأنه أفصح بذلك عن رغبته في إقامة نطاق محدد لأحكام كل من المسؤوليتين وأن الأخذ بالمسؤولية التقصيرية في مقام العلاقة التعاقدية هو في الحقيقة إهدار لنصوص العقد المتعلقة بالمسؤولية عند عدم تنفيذه مما يخل بالقوة الملزمة له.

(الطعن رقم 171/2020 تاريخ 16/06/2020)

بعد إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة في قطر بموجب القانون رقم 21 لسنة 2021، وبالرغم من أن هذا القانون لا يتضمن أي نص جديد يتعلق بالفوائد المصرفية، إلا أن بعض دوائر المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف في محكمة الاستثمار بدأت بالفعل بإصدار أحكام قضائية تلزم فيها المقترض المتعثر بأن يسدد للبنك قيمة أصل القرض الممنوح بالإضافة إلى الفوائد المتفق عليها بشقيها “الفوائد الاتفاقية” و ” فوائد التأخير” وفق النسب المتفق عليها من تاريخ المطالبة القضائية وحتى تاريخ السداد التام، والملفت بالأمر أن محكمة التمييز القطرية قد أيدت صحة وصوابية هذه الأحكام.

(الطعن رقم 713/2024 – تمييز مدني جلسة 22/08/2024)

(الطعن رقم 1873/2024 – تمييز مدني جلسة 31/12/2024)

ولكن بالرغم من هذا التوجه الواضح لمحكمة التمييز،  فقد أصرت بعض الدوائر الأخرى على إصدار أحكامها وفق التوجهات السابقة للمحكمة المدنية التقليدية، حيث أنها تصر على أن المطالبة بالفوائد المتفق عليها هو في حقيقته مطالبة بالتعويض عن التأخير في السداد، ولكي تبرر هذه المحاكم عدم اتباعها لأحكام التمييز المذكورة في الفقرة السابقة، فإن هذه الدوائر تذكر في حيثيات أحكامها بأنها تتخذ من النسبة المتفق عليها في العقود كفوائد اتفاقية وتأخيرية “معياراً لتقدير قيمة التعويض” ومن حيث النتيجة أصرت تلك المحاكم على الحكم بتعويض بمبلغ مقطوع، بدلاً من الحكم لصالح البنك بالفوائد حتى السداد التام.

والملفت بالأمر أن محكمة التمييز القطرية قد أيدت أيضاً هذا التوجه الذي اتخذته بعض الدوائر الاستئنافية في محكمة الاستثمار، حيث قررت رفض الطعون المقدمة طعناً عليها.

الكتّاب
التعارض في أحكام محاكم الموضوع بخصوص تطبيق الفوائد المصرفية، وتأييد محكمة التمييز لهذه الأحكام بالرغم من تعارضها يستوجب تدخل "الهيئة العامة لمحكمة التمييز " لتوحيد المبادئ القانونية التي تحكم الفوائد المصرفية.

(حكم الاستئناف رقم 30/2024 تاريخ 14/10/2024)

(الطعن رقم 1846/2024 – تمييز مدني جلسة 24/12/2024)

من حيث النتيجة، فإنه يوجد الآن توجيهان بارزان لدى دوائر محكمة الاستثمار، الأول يقول بوجوب الحكم بالفوائد بشقيها (الاتفاقية والتأخيرية) حتى السداد التام على أساس المسؤولية العقدية، والثاني يقول بوجوب الحكم بتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية مع اتخاذ نسبة الفوائد المتفق عليها معياراً لتقدير قيمة هذا التعويض، وكلا التوجهين – بالرغم من تعارضهما – تم تأييدهما بأحكام نهائية صادرة عن محكمة التمييز.

في ظل هذا التعارض في الأحكام، الصادرة عن محكمة الاستثمار والمؤيدة من قبل محكمة التمييز، يبرز دور “الهيئة العامة لمحكمة التمييز” التي أناط بها المشرع القطري بموجب أحكام المادة /9/ من قانون السلطة القضائية رقم /8/ لسنة 2023، مهمة إقرار وتوحيد المبادئ القانونية، حيث أنه قد أصبح من الضروري جداً توحيد اجتهادات محكمة التمييز القطرية المتعارضة، فيما يتعلق بالفوائد المصرفية، وذلك بهدف تحقيق العدالة الناجزة التي تقوم على فكرة تحقيق العدالة بسرعة مع الحرص على أن تكون الأحكام مستقرة ومتناسقة.  وغير خفي أن تناقض أحكام محكمة التمييز أو عدم وضوحها ولو في أمور تفصيلية فقط هو السبب الأكبر لتناقض وتعارض أحكام المحاكم الأدنى درجة.