محكمة تمييز دبي تؤكد عدم قبول الطعن وتوضح العلاقة بين شرط التحكيم وحوالة الحقوق في الحكم رقم 1685/2025/445

January 16, 2026 (Edited) Original Copy

مقدمة

أصدرت محكمة تمييز دبي (“المحكمة”) حكماً مهماً في الدعوى رقم 1685/2025/445 بتاريخ 30 ديسمبر 2025. ويتناول الحكم نزاعاً تجارياً يتعلق بالتفاعل بين حوالة الحقوق، وأثر شروط التحكيم على غير الأطراف والخلف الخاص، وعدم قابلية القرارات التمهيدية للطعن وفقاً للمادة 152 من قانون الإجراءات المدنية. وقد انتهت المحكمة إلى عدم قبول الطعن بالتمييز، مؤكدة في الوقت ذاته سلامة ما انتهت إليه محكمتا الموضوع بشأن الدفع بالتحكيم.

يُكرّس هذا الحكم ثلاثة محاور رئيسية في التقاضي التجاري بدبي: أولاً، القيود التشريعية الصارمة على الطعن في الأحكام والقرارات التمهيدية قبل صدور حكم نهائي؛ ثانياً، مبدأ نسبية أثر العقد وما يرد عليه من استثناءات تتعلق بالخلف العام أو الخاص في حالات الحوالة؛ وثالثاً، الآثار القانونية والإثباتية لخطاب الترسية السابق للتعاقد، عندما يكون خالياً من شرط التحكيم، في مقابل عقد لاحق يتضمن هذا الشرط. وقد رأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه ليس حكماً نهائياً ولا يندرج ضمن الاستثناءات التي تجيز الطعن الفوري، مما أدى إلى الحكم بعدم قبول الطعن، مع تأييدها لأساس محكمتي الموضوع بأن الحوالة لصالح البنك أضعفت الدفع بالتحكيم في ضوء الوقائع المعروضة.

الخلفية

نشأ النزاع عن تسهيلات مصرفية مُنحت لمقاول، أعقبها قيام هذا الأخير بإجراء حوالة لصالح البنك شملت جميع مستحقاته الحالية والمستقبلية الناشئة عن مشروع مع جهة العمل (الطاعنة). وبصفته محالاً إليه، أقام البنك دعوى أمام محكمة دبي الابتدائية طالباً الحكم بصحة ونفاذ الحوالة، وإلزام جهة العمل بسداد المبالغ المحالة مع الفوائد.

دفعت جهة العمل بعدم اختصاص المحكمة استناداً إلى شرط تحكيم وارد في عقد إنشاءات لاحق مؤرخ بعد خطاب الترسية، ودفعت بأن البنك ملزم باللجوء إلى التحكيم. غير أن محكمة أول درجة رفضت الدفع بالتحكيم وقررت تعيين لجنة خبراء. أيدت محكمة الاستئناف هذا القرار، ما دفع جهة العمل إلى الطعن عليه أمام محكمة التمييز.

النتائج الرئيسية

أكدت محكمة تمييز دبي مجدداً أن مسألة قابلية الحكم للطعن تتعلق بالنظام العام. وشددت على القاعدة الواردة في المادة 152 من قانون الإجراءات المدنية، والتي تقضي بأن الأحكام الصادرة أثناء سير الدعوى (القرارات التمهيدية) لا يجوز الطعن عليها إلا مع الحكم النهائي الذي ينهي الخصومة برمتها، باستثناء حالات محددة على سبيل الحصر، مثل الأوامر الوقتية أو المستعجلة، ووقف الدعوى، والأحكام القابلة للتنفيذ الجبري، والأحكام الصادرة في مسألة الاختصاص أو عدمه متى كان القضاء غير مختص بنظر النزاع.

كما أوضحت المحكمة أنه حتى بالنسبة للأحكام المستقلة المتعلقة بالاختصاص، فإن قابليتها للطعن الفوري مشروطة بأن يترتب عليها انتفاء ولاية القضاء عن نظر النزاع، كأن تغتصب المحكمة اختصاص جهة قضائية أو تحكيمية أخرى، أو تخالف قواعد الاختصاص المقررة قانوناً. فإذا خلا ملف الدعوى من دليل على هذا الانتفاء، فإن الحكم التمهيدي لا يكون قابلاً للطعن استقلالاً.

وعلى صعيد الإطار التعاقدي، أعادت المحكمة التأكيد على مبدأ نسبية أثر العقد، والذي مؤداه أن العقد لا ينصرف أثره إلا إلى أطرافه، ولا يرتب حقوقاً أو التزامات في مواجهة الغير. إلا أنها أكدت في المقابل الاستثناءات المعروفة والمتعلقة بالخلف العام أو الخاص، حيث يمكن لشرط التحكيم — رغم كونه ملزماً للأطراف — أن يمتد أثره إلى الخلف الخاص فيما يتعلق بالحق الشخصي المحال، ما لم ينص العقد الأصلي على خلاف ذلك. وفي حالات حوالة الحقوق أو العقود، ينتقل شرط التحكيم مع الحق المحال باعتباره من توابعه، بما يتيح للمحال إليه التمسك بالتحكيم، وبالمقابل يجيز للمدين الدفع بشرط التحكيم في مواجهة الدعوى القضائية.

وفي الوقت ذاته، عرضت المحكمة القواعد العامة للحوالة كما هو معمول به في قضاء دبي، حيث تنتقل المطالبة من المحيل إلى المحال إليه باتفاق الطرفين دون حاجة لموافقة المدين، غير أنها لا تكون نافذة في حق المدين إلا بعد إخطاره بها أو علمه اليقيني بها. وأوضحت المحكمة أيضاً أنه في غياب نصوص تشريعية خاصة تنظم آثار الحوالة تجاه المدين والغير، فإن المبادئ العامة تسري، ويكفي إثبات علم المدين بالحوالة بأي وسيلة من وسائل الإثبات. كما أن تفسير عقد الحوالة وآثاره يظل من سلطة محكمة الموضوع طالما كان تفسيرها سائغاً ومؤسساً على الأوراق.

وبتطبيق هذه المبادئ، أيدت محكمة التمييز ما انتهت إليه محكمتا الموضوع من رفض الدفع بالتحكيم لسببين رئيسيين: أولهما أن خطاب الترسية الذي نظم العلاقة بين جهة العمل والمقاول لم يتضمن شرط تحكيم، ولم يُحِل إليه إحالة واضحة، مما أضعف الاعتماد عليه في مرحلة سابقة على دعوى البنك القائمة على الحوالة. وثانيهما أن الحوالة لصالح البنك تمت قبل إبرام العقد اللاحق بين المقاول وجهة العمل، والذي قيل إنه تضمن شرط تحكيم، ومن ثم لا يجوز بعد إخطار جهة العمل بالحوالة الاحتجاج بعقد لاحق لتقليص أو المساس بمركز المحال إليه.

كما رفضت المحكمة ما ذهبت إليه جهة العمل من أن المستند محل النزاع لا يُعد حوالة حقيقية وإنما مجرد ضمان للتسهيلات المصرفية، مؤكدة أن الحوالة تتم وتكتمل برضاء المحيل والمحال إليه دون حاجة لموافقة المدين، وأن لجوء المقاول إلى التحكيم لاحقاً لا يغير من الأثر القانوني للحوالة السابقة التي نقلت الحق إلى البنك.

وبما أن الحكم المطعون فيه لم يفصل في موضوع النزاع ولم يُنهِ الخصومة، ولم يندرج ضمن الحالات الاستثنائية التي تجيز الطعن الفوري، قضت المحكمة بعدم قبول الطعن بالتمييز عملاً بالمادة 152 من قانون الإجراءات المدنية.

يُسهم الحكم في توضيح العلاقة الدقيقة بين حوالة الحقوق والتحكيم، مؤكداً أن التحكيم، وإن كان في جوهره قائماً على مبدأ نسبية العقود، فإن آثاره قد تمتد إلى الخلف العام أو الخاص متى انتقل الحق الشخصي محل العقد. كما يبرز الحكم أن توقيت ومضمون مستندات المشروع الأساسية — مثل خطاب الإرساء والعقود اللاحقة — يُعدان عاملين حاسمين في تحديد الجهة المختصة بنظر النزاع والمسار القضائي أو التحكيمي الواجب اتباعه.

الخلاصة

يؤكد هذا الحكم الموقف الراسخ لمحكمة تمييز دبي بشأن عدم جواز الطعن في الأحكام التمهيدية، مع التشديد على أن الطعن لا يكون إلا في الأحكام النهائية التي تحسم النزاع برمته، وذلك في حدود الاستثناءات التشريعية الضيقة.

ومن الناحية الموضوعية، يوضح الحكم العلاقة الدقيقة بين الحوالة والتحكيم، مؤكداً أن التحكيم وإن كان قائماً على مبدأ نسبية أثر العقد، إلا أن آثاره قد تمتد إلى الخلف الخاص متى انتقل الحق الشخصي محل العقد، وأن توقيت ومضمون مستندات المشروع الرئيسية — مثل خطابات الترسية والعقود اللاحقة — يظل عاملاً حاسماً في تحديد جهة الاختصاص والفصل في النزاع. فإذا خلا خطاب الترسية من شرط التحكيم، وكانت الحوالة سابقة على عقد لاحق يتضمن هذا الشرط، فإن مركز المحال إليه لا يتأثر بالترتيبات اللاحقة بين المدين والمحيل بعد علم المدين بالحوالة.

وأخيراً، يقدم الحكم توجيهاً عملياً مفاده أن على المحال إليهم الاعتماد على خطابات الترسية ومستندات الحوالة إثبات علم المدين بالحوالة، وغياب شرط تحكيم مُدرج أو مُحال إليه بوضوح في التوقيت الحاكم. في المقابل، يتعين على المدينين الراغبين في التمسك بالتحكيم إثبات وجود شرط تحكيم ملزم ونافذ في مواجهة المحال إليه وقت سريان الحوالة. ولما لم تتوافر هذه الشروط في الدعوى محل الحكم، فقد رُفض الدفع بالتحكيم وقُضي بعدم قبول الطعن بالتمييز، مع ما يترتب على ذلك من آثار تتعلق بالمصاريف والتأمين.