حكم حديث صادر عن محكمة دبي للتمييز: قيود الترخيص والحدّ القانوني لبطلان العقد لمخالفته للنظام العام

January 15, 2026 (Edited) Original Copy

المقدمة

أصدرت محكمة دبي للتمييز مؤخراً حكماً يتناول مسألة متكررة وذات أثر تجاري بالغ في دولة الإمارات العربية المتحدة، تتمثل في: هل يؤدي قيام أحد الأطراف بممارسة أنشطة تتجاوز نطاق ترخيصه التجاري إلى بطلان العقود لمخالفتها للنظام العام، أم يقتصر الأثر على الجزاءات الإدارية مع بقاء الاتفاقات الخاصة صحيحة ونافذة؟

وعلى مستوى درجات التقاضي الثلاث، رفضت محاكم دبي محاولات اعتبار المخالفات الترخيصية سبباً بذاته لبطلان العقد، ورسمت حدوداً واضحة بين ما يشكّل مخالفة للنظام العام وما لا يرقى إلى ذلك.

ويُرسّخ هذا التوجه مبدأ استقرار المعاملات التعاقدية، مع قصر البطلان على الحالات التي تنطوي على مخالفة حقيقية للنظام العام. فقد أيّدت محكمة التمييز رفض الدعوى الرامية إلى إبطال وفسخ اتفاقية “الخدمات” المبرمة بين الطرفين، وأقرّت بصحة التعليل الذي انتهت إليه محكمتا أول درجة والاستئناف. كما أكدت المحكمة أن عدم التوافق بين الأنشطة المرخصة والالتزامات التعاقدية يُعد، في هذه الحالة، مخالفة إدارية أو تنظيمية، وليس عيباً يؤدي إلى بطلان العقد ذاته.

الخلفية

نشأ النزاع عن اتفاقية خدمات تعهّد بموجبها المدعى عليه بتقديم خدمات متكاملة متعلقة بالقطاع النفطي لمجموعة المدّعين. وادعى المدّعون أن الاتفاقية تضمنت أنشطة غير مشمولة بترخيص المدعى عليه — مثل “خدمات استثمار الأموال وتجارة النفط الخام” — بما يشكّل مخالفة لقواعد الترخيص في دولة الإمارات وللنظام العام. وبناءً عليه، طالبوا بالحكم ببطلان العقد وفسخه بدعوى أن محلّه وتنفيذه غير مشروعين ومخالفين للنظام العام.

رفضت محكمة دبي الابتدائية الدعوى، وخلصت إلى أن أوراق الدعوى لا تثبت وجود مخالفة ترقى إلى حد البطلان. وميّزت المحكمة بين بطلان العقد لمخالفته للنظام العام وبين المخالفات التنظيمية أو الإدارية، واعتبرت أن الأدلة المقدمة غير كافية لإثبات أن محل العقد ذاته غير مشروع على نحو يستوجب إبطاله.

وأيّدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي، مؤكدة أن عدم التوافق المزعوم بين نطاق الترخيص والأنشطة التعاقدية — حتى لو ثبت — لا يُشكّل بحد ذاته عيباً متعلقاً بالنظام العام يبرر بطلان العقد، وإنما قد يدل، في أقصى تقدير، على مخالفة إدارية. ورفضت محكمة التمييز الطعن، وأقرّت ما انتهت إليه المحكمتان الأدنى درجة.

النتائج الرئيسية

1. المعيار الموضوعي لبطلان العقد وفق قانون المعاملات المدنية

تناولت المحاكم المعيار الموضوعي لبطلان العقد وفق قانون المعاملات المدنية، واستندت في تحليلها إلى تصنيف هذا القانون لصحة العقود وبطلانها. وميّزت المحاكم، في جميع درجات التقاضي، بين العقد الصحيح، والعقد القابل للإبطال، والعقد الباطل لمخالفته النظام العام.

وأكدت الأحكام أن العقد يكون باطلاً إذا كان محلّه أو غرضه أو شكله المفروض قانوناً مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة، وأن هذا البطلان يقع بقوة القانون ولا يرتب أي أثر قانوني. وبيّنت محكمة أول درجة:

«العقد يكون صحيحاً … إذا كان مشروعاً في أصله ووصفه … وصادراً عن ذي أهلية، وله محل جائز وسبب مشروع…» (المادة 209 من قانون المعاملات المدنية)؛

«أما العقد الباطل … إذا كان ركنه أو محله أو سببه أو الشكل الذي يتطلبه القانون لانعقاده معيباً — أي غير مشروع في أصله أو وصفه — فلا ينتج أثراً ولا يقبل الإجازة»؛

«وإذا كان محل العقد مخالفاً للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلاً» (المادة 205).

وأكدت محكمة التمييز ذات المبادئ، وقررت أن البطلان لمخالفة النظام العام هو استثناء، ولا يتحقق إلا بوجود تعارض واضح مع النظام العام أو الآداب أو مع شكل إلزامي يفرضه القانون، وليس بمجرد مخالفة إدارية:

«إذا كان محل العقد مخالفاً للنظام العام أو الآداب، كان العقد باطلاً وفقاً للمادة 205 … ويترتب على ذلك أن العقد المخالف للنظام العام أو الآداب أو للشكل الذي يفرضه القانون لانعقاده لا ينتج أثراً ولا يقبل الإجازة».

وشددت محكمة التمييز على أن البطلان يتطلب دليلاً واضحاً على مخالفة فعلية للنظام العام كامنة في محل العقد أو شكله القانوني، وليس مجرد ادعاء بأن التنفيذ تجاوز الأنشطة المرخصة.

وخلصت المحكمة إلى أن الدعوى «خالـية من الدليل» على وجود إخلال تعاقدي من جانب المدعى عليه يرقى إلى مخالفة للنظام العام، ورفضت مساواة التجاوز الترخيصي المزعوم بالبطلان التلقائي للعقد.

2. تجاوز نطاق الترخيص لا يؤدي بذاته إلى بطلان العقد لمخالفة النظام العام

تمسّك المدّعون بأن ترخيص المدعى عليه يقتصر على “تجارة مشتقات النفط خارج الدولة”، في حين أن اتفاقية الخدمات شملت أنشطة أوسع.

ورفضت المحاكم اعتبار أي تعارض بين الترخيص والنشاط سبباً تلقائياً لبطلان العقد. وأكدت محكمة أول درجة عدم وجود نص قانوني يقضي بالبطلان في هذه الحالة، وغياب الدليل على الإخلال التعاقدي، وقررت:

«الدعوى خالية من الدليل على الإخلال بالالتزامات التعاقدية … والمخالفات المزعومة لنطاق الترخيص لا تثبت البطلان لمخالفة النظام العام؛ ولا يوجد نص قانوني يؤيد ذلك؛ وإنما قد تشكّل، في أقصى تقدير، مخالفات إدارية».

وأيّدت محكمة الاستئناف هذا التعليل، واعتبرته صحيحاً في القانون.

وأكدت محكمة التمييز أن تجاوز نطاق النشاط المرخص يُعد، في هذه الوقائع، مسألة إدارية لا تؤدي إلى بطلان العقد، وقررت أن مخالفة قيود الترخيص «لا تستوجب البطلان».

ويؤسس ذلك لقاعدة واضحة: في غياب نص تشريعي صريح يقضي بالبطلان، أو تعارض فعلي مع النظام العام أو الآداب أو الشكل الإلزامي، فإن تجاوز نطاق الترخيص لا يشكّل سبباً بذاته لبطلان العقد.

3. تكييف الاتفاقية كخدمات نفطية ضمن نطاق الترخيص

قامت محكمة التمييز بفحص نص الاتفاقية وملاحقها، وخلصت إلى أنها تتعلق بتوريد وخدمات نفطية، وليس بإدارة أموال الغير أو خدمات استثمارية بالمعنى المتعلق بالنظام العام. واعتبرت المحكمة أن حزمة الخدمات — بما في ذلك إدارة المشتريات ودعم الوقود — تندرج ضمن الأنشطة النفطية المرخصة.

وأكدت المحكمة أن الاتفاقية «تتعلق بخدمات نفطية وأنشطة ذات صلة»، ومتوافقة مع الترخيص التجاري للشركة.

وبناءً عليه، أكدت محكمة التمييز أن مخالفة قيود الترخيص — إن وُجدت — تستتبع جزاءات إدارية فقط، ولا تبطل العقد، وأن المعاملات تظل صحيحة ونافذة.

ويتوافق هذا النهج مع التوجه العام في القانون الإماراتي، حيث تميّز آراء وزارة العدل بين متطلبات تأسيس الشركات — ذات الطابع المتعلق بالنظام العام — وبين المخالفات التشغيلية أو التنظيمية التي لا تؤثر، في غياب نص صريح، على صحة العقود.

النقض لاعتبارات السياسة العامة أمر استثنائي. فهو يتطلب وجود تعارض واضح وملموس مع السياسة العامة أو الأخلاق أو الشكل الإلزامي، أو وجود نص قانوني يأمر بالبطلان — وليس مجرد ادعاءات بأن أحد الأطراف تصرف خارج نطاق نشاطه أو ترخيصه.

الخلاصة

يُرسّخ هذا الحكم مبدأً مهماً في القانون التجاري الإماراتي: البطلان لمخالفة النظام العام هو استثناء. ولا يتحقق إلا بوجود تعارض حقيقي مع النظام العام أو الآداب أو مع شكل إلزامي يفرضه القانون، أو بنص تشريعي صريح يقضي بالبطلان.

وتؤكد المواد 205 و209 و210 من قانون المعاملات المدنية أن المخالفات الترخيصية هي، من حيث الأصل، مسائل إدارية لا تؤدي إلى بطلان العقد. كما ستدقق المحاكم في حقيقة محل العقد؛ فإذا كان في جوهره ضمن الإطار المرخص — مثل خدمات التوريد النفطي المتكاملة — بقي العقد صحيحاً.

ويوفر الحكم قدراً مهماً من اليقين القانوني، إذ يؤكد أن العقود لن تُبطل بسهولة بسبب مخالفات ترخيصية شكلية. وعلى الرغم من ضرورة مواءمة الأنشطة مع التراخيص لتفادي الجزاءات الإدارية، إلا أن المتعاملين يمكنهم الاطمئنان إلى أن المحاكم الإماراتية لن تلجأ إلى بطلان العقد إلا بوجود أساس قانوني واضح ومخالفة حقيقية للنظام العام.

وقد رفضت محكمة التمييز طعن المدّعين، وأيّدت أحكام محكمتي الاستئناف وأول درجة، وألزمت المدّعين بالمصاريف، مؤكدة بقاء العقد صحيحاً ونافذاً رغم الدفوع المتعلقة بالترخيص.